بين التصعيد والردع: هل دخلت حرب إيران مرحلة الحسم؟!
طه حسن الأركوازي ||

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، تتكثف المؤشرات على أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخُرى ، تتجه نحو مرحلة جديدة أكثر حساسية وخطورة ، فالتصريحات الأخيرة المنسوبة إلى المرشد الإيراني الجديد السيد”مجتبى الخامنئي” ، والتي تحدث فيها عن أن “الليلة قد تشهد بداية الحرب الفعلية”، لم تُفهم في الأوساط السياسية والعسكرية بأعتبارها مُجرد خِطاب تعبوي ، بل كإشارة سياسية وأمنية إلى أنتقال المُواجهة من مرحلة الردود المحدودة إلى مرحلة أكثر أتساعاً في قواعد الاشتباك .
جاءت هذه التصريحات في سياق حربٍ إقليمية مفتوحة بدأت مع الضربات الجوية التي أستهدفت المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي الخامنئي (قدس)، إلى جانب عدد من المواقع العسكرية والمنشآت الاستراتيجية داخل إيران ، وذلك ضمن عمليات عسكرية مُتزامنة نُفذت بتنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل ،
وتشير تقديرات عدد من مراكز الدراسات الغربية إلى أن الهدف المُعلن لتلك الضربات كان إضعاف القُدرات العسكرية الإيرانية ، ولا سيما في ما يتعلق ببرامج الصواريخ الباليستية والبُنية التحتية المُرتبطة بالبرنامج النووي ،
فضلاً عن محاولة إرباك منظومة القيادة والسيطرة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية ، غير أن مسار الأحداث اللاحق أظهر أن هذه التقديرات لم تعكس بالضرورة الواقع الميداني بدقة ، إذ سرعان ما تمكنت طهران من إعادة ضبط بوصلتها ، كما أعادة تنظيم قُدراتها العسكرية بعد أستيعابها للضربة الأولى ، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات جدية حول مدى فاعلية تلك الاستراتيجية في تحقيق أهدافها المعلنة .؟
أن التطورات الميدانية اللاحقة كشفت أن الرهان على أنهيار سريع للنظام الإيراني لم يتحقق ، فعلى الرغم من الخسائر البشرية والعسكرية التي تعرضت لها إيران ، بما في ذلك أستهداف شخصيات قيادية ومراكز حساسة ، فإن بنُية الدولة الإيرانية لم تُظهر علامات الانهيار المُؤسسي ، بل إن مؤسساتها العسكرية والأمنية تمكنت من إعادة تنظيم صفوفها بسُرعة نسبية ، وبدأت بتنفيذ موجات مُتتالية من الردود الصاروخية ، والطائرات المُسيرة ضد أهداف إسرائيلية وأميركية في المنطقة من دون هواده .
وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني بالفعل عن تنفيذ موجات هجومية مُتتابعة بأستخدام صواريخ ، وطائرات مُسيرة أستراتيجية أستهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حيوية ، في إطار عمليات عسكرية مُتصاعدة تؤكد طهران أنها ستستمر “حتى زوال التهديد العسكري” ضدها .
وفي هذا السياق ، فإن حادثة إسقاط طائرة عسكرية أمريكية للأرضاع الجوي في المجال الجوي العراقي والتي تداولتها مصادر إعلامية وعسكرية تحمل دلالات أستراتيجية تتجاوز البُعد العسكري المُباشر ، فمثل هذه الحوادث ، حتى وإن كانت محدودة من حيث الخسائر الميدانية ، لكنها تُشكل مُؤشراً على أنتقال المُواجهة إلى مُستوى أكثر خطورة ، حيث تصبح القوات الأميركية المُنتشرة في المنطقة جُزءاً مبُاشراً من مسرح العمليات .
ومن الناحية الاستراتيجية ، فإن الرسائل التي حاول الخطاب الإيراني إيصالها تبدو واضحة هي أن إيران تسعى إلى إثبات قُدرتها على أمتصاص الضربة الأولى ، وإعادة بناء الردع بسرعة ، فالتجارب التاريخية تُشير إلى أن بقاء منظومة الدولة مُتماسكة بعد الضربة الأولى يُعد أحد أهم عناصر القوة في الحروب الحديثة ، خصوصاً في الحروب غير المُتكافئة التي تعتمد على أستنزاف الخصم أكثر من تحقيق الحسم السريع .
كما أن التحولات السياسية داخل إيران بما في ذلك أنتقال القيادة إلى جيل جديد قد أضافت بُعداً نفسياً وسياسياً للمواجهة ، ففي حالات كثيرة من التاريخ السياسي ، يؤدي أنتقال السُلطة في ظل الحرب إلى تُشدد أكبر في المواقف ، لأن القيادة الجديدة تسعى إلى إثبات قُدرتها على الحفاظ على هيبة الدولة ومكانتها الإقليمية .
لكن ما يجعل هذه الحرب أكثر تعقيداً ليس فقط طبيعتها العسكرية ، بل أيضاً آثارها الاقتصادية والجيوسياسية الواسعة ، فالهجمات المُتبادلة التي طالت منشآت الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية في الخليج ومضيق هرمز أدت إلى أضطرابات في أسواق الطاقة العالمية ، وأرتفاع أسعار النفط والشحن البحري ،
فضلاً عن القلق المُتزايد في الأسواق المالية الدولية بشأن أستقرار الإمدادات النفطية ، وتشير تقديرات أقتصادية أولية إلى أن أستمرار الحرب لفترة أطول قد يُضيف ضُغوطاً تضخمية جديدة على الاقتصاد العالمي ، الذي لم يتعافَ بعد بالكامل من تداعيات الأزمات السابقة .
أما العراق، الذي يقع جُغرافياً وسياسياً في قلب هذا الصراع ، فإنه يجد نفسه مرة أخرى أمام مُعادلة مُعقدة ، فالأراضي العراقية تضم قواعد عسكرية أجنبية ، ومصالح أستراتيجية مُتعددة ، ما يجعلها عُرضة لأن تتحول إلى ساحة غير مُباشرة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى ، وهذا يضع الدولة العراقية أمام تحدٍ مزدوج : الحفاظ على سيادتها الوطنية من جهة .
ومنع أنزلاق البلاد إلى مُواجهة إقليمية مفتوحة من جهة أخرى .
إن قراءة التطورات الجارية تشير إلى أن المنطقة قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة من التوتر الاستراتيجي ، حيث لم تعد الحرب مُجرد تبادل للضربات العسكرية ، بل أصبحت أختباراً شاملاً لقُدرة الدول على الصمود السياسي والاقتصادي والعسكري في آن واحد.
في المحصلة .. فإن الرسالة الأبرز التي يمكن أستخلاصها من التصعيد الحالي هي أن الحرب مهما بدت في بدايتها محدودة قد تتحول بسُرعة إلى صراع إقليمي واسع إذا لم تُفتح قنوات سياسية جادة لاحتوائها ، فالتاريخ الحديث للمنطقة يؤكد أن الحروب التي تبدأ بضربات “محسوبة” كثيراً ما تنتهي بخرائط سياسية وأمنية جديدة ، قد لا تكون في صالح أي من الأطراف المُتحاربة ، ولا في صالح أستقرار الشرق الأوسط بأسره ، وما بين التصعيد العسكري والرهانات السياسية يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو هل تتجه هذه الحرب نحو تسوية سياسية قريبة ، أم أنها ما زالت في بدايتها الحقيقية …!




