بِحِسَاباتِ العَقْلِ وَالمَنْطِقِ، تُشَكِّلُ إيرانُ أَهَمِّيَّةً للدُّولِ العَرَبِيَّةِ وَالخَلِيجِيَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا تُشَكِّلُهُ أُوكْرَانِيَا لِدُولِ أُورُوبَّا..!
محمود المغربي ||

عندما شَنَّتْ رُوسِيَا حَرْباً عَلَى أُوكْرَانِيَا دِفَاعاً عَنِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ الرُّوسِيِّ، قَامَتِ القِيَامَةُ عَلَى رُوسِيَا، وَشَنَّتْ أَمْرِيكَا وَأُورُوبَّا حُرُوباً عَلَيْهَا: عَسْكَرِيَّةً، وَاقْتِصَادِيَّةً، وَسِيَاسِيَّةً. وَفَرَضُوا عَلَى رُوسِيَا عُزْلَةً دُوَلِيَّةً وَعُقُوبَاتٍ وَقُيُوداً، وَتَوَقَّفَتْ دُوَلُ أُورُوبَّا عَنِ اسْتِيرَادِ النَّفْطِ وَالغَازِ الرُّوسِيِّ الذي كَانُوا يَحْصَلُونَ عَلَيْهِ بِأَرْخَصِ الأَسْعَارِ، مِمَّا جَعَلَ دُوَلَ أُورُوبَّا تَتَكَبَّدُ خَسَائِرَ فَادِحَةً بِسَبَبِ هَذِهِ الخُطْوَةِ.
وَلَمْ تَكْتَفِ دُوَلُ أُورُوبَّا بِهَذَا الإِجْرَاءِ، بَلْ ذَهَبَتْ إلى وَضْعِ كُلِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ قُوَّةٍ وَأَسْلِحَةٍ وَأَمْوَالٍ تَحْتَ تَصَرُّفِ أُوكْرَانِيَا، حَتَّى نَفِدَتْ مَخَازِنُ الذَّخِيرَةِ وَالأَسْلِحَةِ فِي أُورُوبَّا. وَلَمْ تَهْتَمَّ دُوَلُ أُورُوبَّا بِكُلِّ تِلْكَ الخَسَائِرِ، لِأَنَّهَا تَمْتَلِكُ اسْتِرَاتِيجِيَّةً، وَتَعْتَقِدُ أنَّ هَزِيمَةَ أُوكْرَانِيَا وَسَيْطَرَةَ رُوسِيَا عَلَيْهَا سَوْفَ يُشَكِّلَانِ تَهْدِيداً لِلأَمْنِ القَوْمِيِّ الأُورُوبِّيِّ عَلَى المَدَى الطَّوِيلِ. مَعَ أنَّ رُوسِيَا لَا تُشَكِّلُ خَطَراً حَقِيقِيّاً عَلَى دُولِ أُورُوبَّا، وَلَا بِنسْبَةِ 5% مِمَّا تُشَكِّلُهُ إسْرَائِيلُ مِنْ خَطَرٍ عَلَى الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيِّ وَالإِسْلَامِيِّ. بَلْ إنَّ إسْرَائِيلَ تُشَكِّلُ خَطَراً وُجُودِيّاً عَلَى كَافَّةِ دُوَلِ وَشُعُوبِ المِنْطَقَةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، ذَهَبَتْ دُوَلُ الخَلِيجِ وَأَغْلَبُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ إلى مُسَانَدَةِ إسْرَائِيلَ ضِدَّ إيرَانَ، بَدَلَ أنْ تُدِينَ العُدْوَانَ عَلَى إيرَانَ، وَتَقِفَ إلى جَانِبِهَا، وَتُقَدِّمَ لَهَا كَافَّةَ الدَّعْمِ، وَتَفْرِضَ مُقَاطَعَةً عَلَى إسْرَائِيلَ وَأَمْرِيكَا، كَمَا فَعَلَتْ دُوَلُ أُورُوبَّا مَعَ أُوكْرَانِيَا، بَلْ أَشَدَّ. ذَلِكَ لأنَّ إيرانَ تُمَثِّلُ عُمْقاً اسْتِرَاتِيجِيّاً للدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَالخَلِيجِيَّةِ، وَبَقَاءُ إيرَانَ وَانْتِصَارُهَا هُوَ بَقَاءٌ وَانْتِصَارٌ لِكَافَّةِ دُوَلِ المِنْطَقَةِ.
وفي المِقْيَاسِ العَسْكَرِيِّ وَالاسْتِرَاتِيجِيِّ، يَعُدُّ انْتِصَارُ إيرَانَ مُهِمّاً للدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَالخَلِيجِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ أَهَمِّيَّةِ انْتِصَارِ أُوكْرَانِيَا لِدُولِ أُورُوبَّا، لأنَّ العَدُوَّ الصِّهْيُونِيَّ يُشَكِّلُ خَطَراً وُجُودِيّاً – كَمَا قُلْنَا – عَلَى الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ، وَأَكْثَرَ مِمَّا تُشَكِّلُهُ رُوسِيَا مِنْ خَطَرٍ عَلَى أُورُوبَّا.
لَكِنْ هُنَاكَ فَارِقٌ بِنِسْبَةِ 100% بَيْنَ الفِكْرِ وَالعَقْلِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَبَيْنَ الفِكْرِ وَالعَقْلِيَّةِ الأُورُوبَّيَّةِ. وَلَا مُقَارَنَةَ بَيْنَ مَنْ يَمْتَلِكُونَ اسْتِرَاتِيجِيَّةً إلى مَا بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ النَّظَرَ أَبْعَدَ مِنْ مُؤَخَّرَتِهِ.




