الجمعة - 15 مايو 2026

ردع العدو الإسرائيلي من العراق: الأبعاد الاستراتيجية والسياسية..!

منذ شهرين
الجمعة - 15 مايو 2026

الشيخ أكبر علي الشحماني ||

مقدّمة
يمثّل الصراع مع الكيان الصهيوني أحد أبرز القضايا الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وقد أصبح مفهوم الردع أحد الأدوات الأساسية التي تعتمدها الدول والقوى المقاومة لمنع الاعتداءات الإسرائيلية أو تقليل آثارها.

ويكتسب العراق في هذا السياق أهمية استراتيجية خاصة، نظرًا لموقعه الجغرافي وقدراته البشرية والعسكرية وصلاته السياسية بمحور المقاومة في المنطقة. ومن هنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن للعراق أن يساهم في ردع العدو الإسرائيلي ضمن معادلة الردع الإقليمي؟

أولاً: مفهوم الردع في الصراع مع إسرائيل

الردع في العلوم الاستراتيجية هو القدرة على منع الخصم من تنفيذ هجوم عبر إقناعه بأن كلفة العدوان ستكون أكبر من مكاسبه. وقد استخدمت إسرائيل هذا المفهوم لعقود ضد الدول العربية، لكن في السنوات الأخيرة بدأ ميزان الردع يتغير بفعل صعود قوى المقاومة في المنطقة.

تبلور هذا التحول بشكل واضح بعد أحداث مثل حرب تموز 2006 التي أثبتت أن قوة غير تقليدية تستطيع فرض معادلة ردع على الجيش الإسرائيلي.

ثانياً: العراق في معادلة الردع الإقليمي
يمتلك العراق عدة عناصر تجعله لاعبًا مؤثرًا في معادلة الردع:

الموقع الجغرافي
العراق يقع في قلب المشرق العربي ويشكّل عمقًا استراتيجيًا لدول محور المقاومة مثل إيران وسوريا ولبنان.

القوة البشرية والعسكرية
يمتلك العراق قاعدة بشرية كبيرة وخبرات عسكرية تراكمت عبر حروب متعددة.

قوى المقاومة العراقية
برزت تشكيلات مقاومة عراقية بعد معركة الحرب على تنظيم داعش، وأصبحت جزءًا من منظومة الردع الإقليمي.

ثالثاً: أدوات الردع العراقي تجاه إسرائيل

1. الردع العسكري غير المباشر
لا يوجد صراع مباشر بين العراق وإسرائيل، لكن الردع يمكن أن يتحقق عبر دعم منظومة المقاومة في المنطقة، وهو ما يُعرف بالردع الشبكي أو الإقليمي.

2. الردع الصاروخي
امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى يشكل أحد أهم عناصر الردع في العصر الحديث، حيث أصبحت الصواريخ الدقيقة عاملاً مؤثراً في حسابات الأمن الإسرائيلي.

3. الردع السياسي
الموقف السياسي العراقي يمكن أن يؤثر في البيئة الإقليمية، خصوصاً من خلال رفض مشاريع التطبيع مع إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية.

4. الردع الإعلامي والثقافي
تلعب الحرب الإعلامية دوراً مهماً في كشف السياسات الإسرائيلية وتعزيز الوعي الشعبي بالقضية الفلسطينية.

رابعاً: العراق ومحور المقاومة
برز مفهوم محور المقاومة بوصفه تحالفاً سياسياً وعسكرياً يضم عدداً من القوى والدول في المنطقة، ويهدف إلى مواجهة النفوذ الإسرائيلي والغربي. ويعد العراق جزءاً مهماً من هذا المحور إلى جانب حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين.

وقد أكد قادة هذا المحور، ومنهم علي خامنئي، أن قوة الردع الإقليمي تعتمد على وحدة الجبهات وتكاملها.

خامساً: التحديات التي تواجه الردع العراقي
رغم الإمكانات المتوفرة، يواجه العراق عدداً من التحديات:

الضغوط الدولية ومحاولات تحجيم دور العراق الإقليمي.
الانقسام السياسي الداخلي الذي يضعف وحدة القرار الاستراتيجي.
الوجود العسكري الأجنبي الذي يقيّد بعض خيارات العراق الدفاعية.

سادساً: مستقبل الردع في المنطقة
تشير التطورات الجيوسياسية إلى أن معادلة الردع في الشرق الأوسط تتجه نحو تعدد مراكز القوة، حيث لم تعد إسرائيل تمتلك التفوق المطلق كما في العقود السابقة. وقد ساهمت أحداث مثل طوفان الأقصى في إعادة طرح سؤال الأمن الإسرائيلي وقدرته على مواجهة جبهات متعددة.

خاتمة
إن ردع العدو الإسرائيلي من العراق لا يعتمد على المواجهة المباشرة فحسب، بل يقوم على بناء منظومة متكاملة من القوة العسكرية والسياسية والإعلامية ضمن إطار إقليمي واسع. فالعراق يمتلك القدرة على أن يكون أحد الأعمدة الأساسية في معادلة الردع في الشرق الأوسط، إذا ما تمكن من توحيد قراره الاستراتيجي وتعزيز قدراته الدفاعية والتكامل مع قوى المقاومة في المنطقة.