الجمعة - 15 مايو 2026

بين ماء الحياة ومرارة الكرامة: حين يصبح الصمت أخطر من الهزيمة..!

منذ شهرين
الجمعة - 15 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

منذ قُرون طويلة عبّر الفارس العربي “عنترة بن شداد” بكلمات قليلة لكنها عميقة الدلالة عن جوهر الكرامة الإنسانية حين قال :

لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ بل – فاسقني بالعز كأس الحنظل .
ماء الحياة بذلةٍ كجهنمٍ – وجهنم بالعز أطيب منزلِ .

لم تكن هذه الأبيات مُجرد تعبير شعري عن نزعة بطولية ، بل كانت إعلان موقف أخلاقي واضح ، فالحياة التي تُعاش في ظل الذل ليست حياة ، بل شكل آخر من أشكال العذاب ، بينما قد تكون مرارة الموت أهون من العيش بلا كرامة ، لذلك تحولت هذه الكلمات عبر الزمن إلى رمز ثقافي يختصر فلسفة العزة والكرامة في الوعي العربي .

غير أن قيمة هذه الأبيات لا تكمُن في جمالها البلاغي فحسب ، بل في قُدرتها الدائمة على إسقاط معناها على الواقع ، خصوصاً حين تمر الشعوب بظُروف تختبر فيها معنى الكرامة الوطنية وحدود الصمت السياسي .

وفي العراق اليوم ، تبدو كلمات عنترة وكأنها تعود لتطرق أبواب الضمير الجمعي من جديد ، فبلد يمتلك تاريخاً عريقاً في الدفاع عن سيادته ، ويزخر بأبناء ضحوا بدمائهم في مواجهة الإرهاب وحماية الأرض يجد نفسه أمام مشهد مُؤلم تتكرر فيه الاعتداءات على أرضه ومؤسساته الأمنية ، فيما يقف الموقف الرسمي في كثير من الأحيان عند حدود البيانات الخجولة أو الصمت المربك .

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن سيادة الدول لا تُقاس بقوة جيوشها أو حجم مواردها فحسب ، بل بقُدرتها على الدفاع عن كرامتها الوطنية والوقوف بحزم في مواجهة أي أنتهاك لسيادتها .

وفي هذا السياق ، يبرز موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي واجهت خصومها في لحظة صعبة ، مُعلنة رفضها للخضوع أو الاستسلام ، وقد قدمت نموذجاً في الرد على التحديات بما يرسخ فكرة أن إرادة الدول لا تُختبر إلا عند أشتداد الأزمات .؟

فحين تُستباح الأرض أو تُستهدف القوى التي قاتلت دفاعاً عن الوطن لا يعود الصمت السياسي خياراً مُحايداً ، بل يتحول إلى رسالة خاطئة تُقرأ في الخارج بوصفها ضعفاً ، وفي الداخل بوصفها خيبة أمل جديدة تُضاف إلى سجل الإحباطات المتراكمة لدى المواطن .

إن ما يُضاعف مرارة هذا الواقع أن العراق دفع ثمناً باهظاً في معاركه ضد الإرهاب ، وكانت تضحيات أبنائه ومنهم أبطال الحشد الذين لبّوا نداء الدفاع عن البلاد جزءاً أساسياً من معركة بقاء الدولة نفسها ، لذلك فإن أي أعتداء آثم يستهدفهم أو يستهدف الأرض العراقية يجب أن يُقرأ في إطار الاعتداء على السيادة الوطنية برمتها لا بوصفه حدثاً عابراً يمكن تجاوزه بالصمت أو المجاملة السياسية .

إن الشعوب قد تتحمل صعوبة العيش ، وقد تصبر على الأزمات الاقتصادية والخدمات المُتعثرة ، لكنها نادراً ما تقبل أن ترى كرامتها الوطنية تُنتهك دون موقف واضح يُعبر عن إرادة الدولة وهيبتها ، فالكرامة ، كما فهمها عنترة قبل قرون ، ليست شِعاراً خطابياً ، بل هي شرط أساسي لمعنى الحياة نفسها .

ولعل أخطر ما يُمكن أن تواجهه الدول ليس الهزيمة العسكرية ، بل التآكل البطيء لهيبة الدولة في الوعي العام ، فحين يفقد المواطن ثقته بأن بلده قادر على حماية سيادته ، يتحول الإحساس الوطني تدريجياً إلى شعور بالخذلان ، وهو شعور يترك آثاراً عميقة في العلاقة بين المجتمع والدولة .

إن أستحضار كلمات “عنترة” اليوم لا يعني الدعوة إلى الحرب أو التصعيد ، بل التذكير بأن الكرامة الوطنية لا تُدار بمنطق الصمت الطويل ولا بمنطق التوازنات السياسية الضيقة ، فالدولة التي تحترم نفسها تكون مُطالبة بأن تُعبر بوضوح عن رفضها لأي تدخُل في شؤونها أو أنتهاك لسيادتها ، وأن تقف مع أبنائها الذين حملوا السلاح دفاعاً عنها .

أخيراً وليس آخراً .. لقد كان عنترة شاعراً وفارساً في آن واحد ، ولذلك فهم أن الكرامة ليست فكرة مُجردة ، بل موقف يُترجم بالفعل ، وربما كان الدرس الأعمق في أبياته أن الشعوب لا تطلب المستحيل من قادتها ، لكنها تنتظر منهم على الأقل أن يقفوا في صف الكرامة حين تُختبر ،

فبين “ماء الحياة بذلة” و“كأس الحنظل بالعز” ، يبقى الخيار الحقيقي هو أي نوع من الحياة تريد الأمم أن تعيشه ، وأي إرث تريد أن تتركه لأجيالها القادمة …!