لَيالي القَدر مَرتعُ الأرواح..!
كوثر العزاوي ||

لا شك أنّ المؤمن يعيش قبل ليالي القدر مشاعر الترقّب، كما الطالب المُقبِل على امتحان مصيريّ في آخر السنة، حتى أننا نلاحظ مَن تدنّى مستواه الدراسي، عندما يقترب موعد الامتحانات يعيش حالة من الاضطراب والوجل، ولعلّ المثال ينطبق على الكثير ممّن وُفّق للإيمان.
إنّ لليلة القدر فضل كبير، ولها من الخصوصية العظمى، إذ سترها بين ثلاث ليالٍ متباينة، لتكون كالقمر بين النجوم. فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق “عليه السلام” قوله:
{في ليلة تسعة عشر من شهر رمضان “التقدير”، وفي ليلة إحدى وعشرين “القضاء”، وفي ليلة ثلاث وعشرين “إبرام” ما يكون في السنة}.
ونحن نعدّ الساعات لحلول الليلة المباركة وإحيائها، سيما الليلة الكبرى منها، والأمل يحدو بنا لإحراز ليلة قدرٍ مميّزة، نحلّق معها في فضاء افتتاحها، وسماء جوشنها، وفي طيّات سَحَرها، ونسائم فَجرها، لننال ذلك الشرف المعلّى والقدر العظيم عند الباري “عز وجل”، فإنّ فيها ما يكون في تلك السنة وما يُكتَب.
إنّها ليلة استعداد وأمل، ليلة سكينة وانشراح، وطواف في عالَم القرب، وسياحة روحية في فسيح آياتها، وسلام هي حتى مطلع الفجر!.
من هنا، فقد يُلزمُ المؤمن برمجةً دقيقة قبل غروب الشمس، من شحذ الهمّة وشدّ العزم، وطوبى لمَن تهيّأ وتعبّأ وأعَدَّ واستعدّ، وأحسَنَ عمله في تلك الليلة المهابة في شهر الله، عسى أن يكون ممن أدركها ورعى حقها.
ولعلّ من الحكمة الإلهية أن يجعل ليالي القدر مع فاصلٍ بين ليلة وأخرى، لثلاثِ ليالٍ تشرق في شهر الله كاللؤلؤ المكنون.
وهذا بلا شك من حكمته تعالى، وبيان إتقان صنعه وخَلْقه، ليهيئ الإنسان نفسه للّيلةِ الآتية، فيما إذا رأى تقصيرًا في أول الليلة فيتدارك أمره.
والجدير بالذكر، إنّ على سنامِ ليالي القدر هي الليلة “الثالثة والعشرون” كما ورد في الروايات المعتبرة، وأنّ المؤمن حريص عادة على إحراز الأفضل من الفضائل، فيكرس جهده للاستغفار من تراكماتٍ لسنةٍ كاملة مضت، حاملة في ثناياها من الغفلات والشهوات والمُلهِيات ما يوجب التوبة والإنابة.
فينبغي أن لا تمرّ هذه الليالي على عاقلٍ دون أن يعرف معنى {ليلة القدر خير من ألف شهر} وما عظمتها وقداستها ثم لا يُصيبُ منها مَغنَمًا! كما لا يُعقَل أن يتعامل معها بالتغافل مَن عرف قدرها، فيجعلها ليلة عادية تمضي ساعاتها الزاخرة بالرحمات المحمّلة بالبركات دون أن يشمَّ ريحَها أو يتحسّس عبَقها، أو لا يتذوق طيب رحيقها، ولا يغترف من مَعينها!.
إذن أيّ فاقة وحرمانٍ يُطوِّق أرواحًا لو كُتب لها أن تكون من المحرومين بسبب الغفلة أو السهو عمّا أعدّ الله تعالى من غنائم في هذه الليلة العظيمة!.
إنها فرصة العمر، فاغتنِموا الفرص، فإنها تمرُّ مرَّ السحاب!
٢٢-رمضان-١٤٤٧هـ
١٢-آذار-٢٠٢٦م




