إيران في قلب العاصفة: حين يتحوّل الحصار إلى معادلة قوة..!
طه حسن الأركوازي ||

في خُضم التصعيد العسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط منذ أواخر شباط من هذا العام ، وعقب الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل العُمق الإيران والتي ، عادت الجمهورية الإسلامية لتتصدر المشهد الدولي بوصفها طرفاً رئيسياً في واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في العقود الأخيرة ، فهذه المواجهة لم تعد مُجرد جولة عسكرية محدودة ، بل تحولت إلى أختبار حقيقي لتوازنات القوة في المنطقة ، ولقُدرة الدول على الصمود في بيئة دولية تتسم بتشُابك المصالح وتعقيد الحسابات الاستراتيجية .
الحرب الدائرة اليوم تجاوزت حدود الاشتباك العسكري المُباشر ، إذ سرعان ما أنعكست تداعياتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية ، فالتوتر المُتصاعد في منطقة الخليج ، وما رافقه من أضطراب في حركة الملاحة البحرية في الممرات الحيوية ، وفي مقدمتها مضيق هرمز ، أدى إلى حالة من القلق في أسواق النفط والغاز العالمية ، وتُشير تقارير أقتصادية دولية إلى أن أي خلل في أمن الطاقة في هذه المنطقة ينعكس بصورة مُباشرة على الاقتصاد العالمي ، نظراً لأن الخليج يمر عِبره جُزء كبير من صادرات النفط والغاز التي يعتمد عليها العالم الصناعي .
وقد بدأت آثار هذه الأزمة بالظهور سريعاً في الأسواق الدولية ، حيث شهدت أسعار الطاقة أرتفاعات ملحوظة ، رافقها أضطراب في الأسواق المالية ، وتزايد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تطال الاقتصادات الكبرى ، كما تأثرت حركة التجارة الدولية نتيجة أرتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن العابرة في المنطقة ، وهو ما يعكس حجم الترابط بين الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط واستقرار الاقتصاد العالمي .
غير أن فهم موقع إيران في هذه المعادلة لا يمكن فصله عن سياق تاريخي طويل بدأ منذ أنتصار الثورة الإيرانية عام 1979 ، حين دخلت طهران في مواجهة سياسية وأستراتيجية مُمتدة مع الولايات المتحدة وحلفائها ، فمنذ ذلك الحين تعرضت إيران لسلسلة مُتعاقبة من العقوبات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية ، هدفت في مجملها إلى تقليص قُدرتها على التأثير الإقليمي وإضعاف بُنيتها الاقتصادية .
ومع مرور الوقت ، أصبحت إيران واحدة من أكثر دول العالم تعرضاً للعقوبات الدولية ، وهو ما فرض ضغوطاً كبيرة على أقتصادها الوطني ، خصوصاً في مجالات الطاقة والتجارة والقطاع المصرفي ، ومع ذلك لم تؤدِ هذه الضغوط إلى أنهيار الدولة أو تفكك مُؤسساتها كما كان مُتوقعاً لدى بعض صناع القرار في الغرب ، بل دفعت طهران إلى البحث عن مسارات بديلة للتكيف مع الواقع الجديد .
فقد تبنت إيران خلال السنوات الماضية سياسات أقتصادية وصناعية ركزت على تطوير القدرات المحلية ، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الصناعات الدفاعية والهندسية والتكنولوجية ، وفي ظل القيود المفروضة على أستيراد التكنولوجيا المُتقدمة ، أتجهت المُؤسسات العلمية والصناعية الإيرانية إلى بناء منظوماتها البحثية الخاصة وتطوير بدائل محلية لكثير من التقنيات التي كانت تعتمد سابقاً على الخارج .
وعند التمُعن في التجربة الإيرانية خلال العقود الأربعة الماضية ، يتبين أن ما حققته طهران لم يكن نتيجة ظروف طبيعية أو بيئة دولية مُواتية ، بل جاء في ظل واحدة من أطول وأشد منظومات الضغط السياسي والاقتصادي في التاريخ المعاصر ، فالعقوبات المُتراكمة ، ومحاولات العزل الدبلوماسي ، والضغوط العسكرية المُستمرة ، لم تدفع الدولة الإيرانية إلى الانكفاء بقدر ما دفعتها إلى إعادة بناء قُدراتها على قاعدة الاعتماد على الذات ،
ومع مرور الوقت تحول الحصار ، الذي كان يُراد له أن يكون أداة لإضعاف الدولة ، إلى عامل دفع نحو تطوير الصناعات المحلية ، وتعزيز البُنية العلمية والتكنولوجية ، وبناء منظومة ردع عسكرية إقليمية مكّنت إيران من تثبيت حضورها كلاعب مُؤثر في معادلات الشرق الأوسط ، وفي هذا السياق لا تبدو التجربة الإيرانية مجرد حالة صمود اقتصادي أو عسكري فحسب، بل نموذجاً سياسياً لدولة أستطاعت أن تُحوّل الضغوط الخارجية إلى مُحفز لإعادة تشكيل قوتها الوطنية ،
وهو ما يُفسر إلى حد كبير قدرتها على الاستمرار في مواجهة الضغوط الدولية المتعاقبة دون أن تفقد تماسكها الداخلي أو موقعها في معادلات القوة الإقليمية .
وتكشف الحرب الجارية اليوم جانباً مهماً من هذه المعادلة ، إذ أظهرت إيران قُدرة واضحة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حالة أنهيار داخلي أو فقدان السيطرة على جبهتها الداخلية ، وهو أمر يعكس طبيعة البُنية المُؤسسية التي تشكلت خلال عقود من إدارة الأزمات والصراعات الإقليمية ، وفي المقابل فإن أستمرار هذه المُواجهة يحمل مخاطر كبيرة ليس على إيران وحدها ، بل على المنطقة بأسرها ، خصوصاً إذا ما أتسعت دائرة الصراع أو تعطل تدفُق الطاقة من الخليج لفترات طويلة .
وفي خضم هذه التحولات المُتسارعة .
اليوم يجد العراق نفسه في مُوقع شديد الحساسية داخل المُعادلة الإقليمية ، فموقعه الجغرافي ، وتشابك علاقاته السياسية والاقتصادية مع أطراف مُتعددة في هذا الصراع ، يجعله أكثر عُرضة للتأثر بتداعيات أي تصعيد عسكري أو أقتصادي في المنطقة ، كما أن طبيعة الاقتصاد العراقي ، المُعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط ، تجعل أستقرار أسواق الطاقة عاملاً حاسماً في استقرار البلاد الاقتصادي والمالي .
ومن هنا تبرز أهمية قراءة ما يجري في المنطقة بعيون أستراتيجية بعيدة عن الانفعالات السياسية العابرة ، فالأزمات الكُبرى لا تكشف فقط موازين القوة بين الدول ، بل تكشف أيضاً طبيعة الأنظمة السياسية وقدرتها على إدارة التحديات وبناء أدوات الصمود الوطني.
ختاماً .. في عالم تتزايد فيه الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية ، يبدو الدرس الأهم أن الدول التي تبني قُدراتها على قاعدة العلم والإنتاج والاستقلال الاقتصادي تكون أكثر قدرة على مواجهة العواصف الدولية ، بينما تبقى الدول التي تعتمد بالكامل على الخارج أكثر هشاشة أمام الأزمات ، وبين هذين النموذجين تتحدد قدرة الدول على حماية سيادتها وصون مصالحها في نظام دولي لا يعترف إلا بمن يمتلك عناصر القوة والاستقرار…!




