ما فعله الأقدمون يفعله المتأخرون والمعاصرون..!
السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: “…وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا…” ﴿البقرة:217﴾
قبل الخوض في الحديث عمّا تقرِّره الآية الكريمة، لا بد من الإشارة إلى أن مضامين القرآن الكريم ومفاهيمه وشريعته لا تقتصر على زمن دون آخر، ولا على قوم دون آخرين، بل هو لكل زمان ولكل قوم، يجري مع الأيام كما تجري الشمس ويجري القمر، إنه كتاب لصناعة الإنسان، والإنسان هو هو في جميع الأزمنة، لا تتغير خصائصه ولا سِماته، فما يصدُق على الماضين يصدُق على الحاليين، وما فعله الأقدمون يفعله المتأخرون والمعاصرون.
هذا الجزء من الآية الكريمة التي بين أيدينا، والتي جاءت في سياق الحديث عن طبيعة الصراع بين المسلمين الأوائل وقوى الكفر والشرك، التي كانت تعادي رسول الله (ص) وتصُدُّ الناس عن سبيله، وتُثير في وجهه ووجوه أتباعه الفِتَن والحروب النفسية والاقتصادية والعسكرية، وتمارس بحق وبحق أصحابه التعذيب والتنكيل وصولًا إلى إجبارهم على الهجرة من ديارهم بحثًا عن مكان آمن، وقد تحالف اليهود مع المشركين، واليهود هم الذين تكفَّلوا بالمواجهة الثقافية والفكرية مع رسول الله (ص)، فكانوا يثيرون الشُّبُهات أمام المسلمين، ويمارسون عليهم حربًا إدراكية تهدف إلى التأثير على عقيدتهم وعلاقتهم بدينهم، ونظرتهم لرسول الله (ص).
والآية كما ترى قارئي الكريم، تكشف للمسلمين عن عمق الشَّرِّ في نفوس أعدائهم، وأصالة العدوان في نيتهم وخطتهم، وتكشف عن إصرارهم الخبيث على الشَّرِّ، وعلى فتنة المسلمين عن دينهم، بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم، وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة الصالحة في كل أرض وفي كل جيل.
إن وجود الإسلام المحمَّدي الأصيل في الأرض هو بذاته غيظ ورعب لأعداء هذا الدين، لأنه إسلام واعٍ، وحركته في الحياة حكيمة، لا يقبل بظلم، ولا بطغيان، ولا يُقِرّ لظالم ولا لطاغٍ، ولا يقبل هوانًا ولا ذِلَّة، ويحمل لواء التحرُّر من ربقة العبودية للأهواء والشهوات والأبالسة والشياطين والطغاة، وهو من القوة العقدية والفكرية والتشريعية والقيمية والمعنوية بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد.
ومن ثمّ يرصدون لأهله ليفتنوهم عنه، ويردّوهم كفارًا في صورة من صور الكفر الكثيرة، ذلك أنهم لا يأمَنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم، وفي الأرض جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين، الدين الثوري التغييري الذي لا يقبل الواقع بل يعمل على تغييره نحو الأفضل ليرتقي بالإنسان في مدارج الكمال الإنساني.
نعم لم يزل ولا يزال أعداء هذا الدين الحق، أعداء النهج المحمدي الأصيل يقاتلون هذا الدين، ويقاتلون أتباعه المخلصين، وهاهم شياطين الحضارة الإبستينية يعلنونها حربًا ظالمة عليه، ويٌصرِّحون بذلك دون خجل ومن دون قفّازات الدبلوماسية حتى، بل يشنون حربًا عسكرية مدمِّرة تبيد الحجر والبشر فلا تبقي ولا تذر، وما يُؤسَف له شديد الأسف أن يساندهم في ظلمهم هذا مسلمون يقرأون القرآن بكرة وعَشِيًا، ويُصَلّون الصلوات الخمس، ويحجّون البيت الحرام، ولعلّهم أكثر لؤمًا وقسوة على إخوانهم في الدين والإيمان، غافلين أو متغافلين عن أن أتباع الحضارة الإبستينية سيميلون عليهم أيضًا إذا ما ضعُف المسلمون الصادقون المُضحّون.
سحر يوم الأربعاء الواقع في: 11/3/2026 الساعة (04:10)




