الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

🖋️ قاسم سلمان العبودي ||

لم يكن استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حادثةً عابرة في التاريخ الإسلامي، بل كان لحظةً مفصلية كشفت عمق الصراع بين مشروع العدالة الإلهية ومشروع الظلم والانحراف. فقد عاش الإمام علي حاملاً راية الحق، مدافعاً عن كرامة الإنسان، رافضاً أن يساوم على مبادئ العدل مهما كان الثمن. ولذلك لم يكن غريباً أن يُستهدف في محرابه، وهو القائم بين يدي الله، ليُكتب اسمه في سجل الخالدين شهداء للحق.

لقد ظنّ قاتلو الإمام علي أن ضربتهم في محراب الكوفة ستطفئ نور العدالة الذي حمله، لكن التاريخ أثبت أن دماء الشهداء لا تُطفأ، بل تتحول إلى منارة تهدي الأجيال وتوقظ ضمير الأمة. وهكذا بقيت مدرسة الإمام علي مدرسةً مفتوحة عبر العصور، تربي الأحرار على قيم الشجاعة والإنصاف ونصرة المظلوم.

وفي سياق هذا الامتداد التاريخي، تأتي الأحداث المعاصرة لتعيد إلى الأذهان صورة ذلك الصراع القديم بين الحق والباطل. فاستهداف القادة الذين يرفعون راية الاستقلال والكرامة ليس جديداً في تاريخ الأمة، بل هو امتداد طبيعي لمواجهة المشاريع التي تسعى إلى إخضاع الشعوب وكسر إرادتها.

ومن هذا المنطلق، نرى أن استهداف السيد القائد علي الخامنه آي يندرج ضمن هذا السياق التاريخي نفسه؛ سياق الصراع بين إرادة التحرر ومحاولات الهيمنة. فالقادة الذين يتبنون خطاب المقاومة والوقوف إلى جانب المستضعفين غالباً ما يصبحون هدفاً للقوى التي تخشى حضورهم وتأثيرهم.

إن الرابط بين استشهاد الإمام علي وأستشهاد السيد الخامنائي ، وأحداث عصرنا ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل هو رابط القيم والمبادئ. فالإمام علي استشهد لأنه رفض الظلم ووقف إلى جانب الفقراء والمحرومين، ولأنه جعل العدالة معيار الحكم والسلطة. وهذه القيم نفسها ما زالت تلهم كثيراً من الحركات والشخصيات التي ترى في نهجه نموذجاً أخلاقياً وسياسياً.

لقد علمتنا مدرسة الإمام علي أن الشهادة ليست نهاية الرسالة، بل بداية مرحلة جديدة من حضورها في وجدان الأمة. فحين يسقط القادة دفاعاً عن مبادئهم، تتحول دماؤهم إلى قوة معنوية تعزز وعي الشعوب وتدفعها إلى التمسك بقيم الحرية والكرامة.

وهكذا يبقى الإمام علي حاضراً في ضمير الأحرار، لا كذكرى تاريخية فحسب، بل كمنهجٍ متجدد في مواجهة الظلم. فمن محراب الكوفة الذي سقط فيه شهيداً، إلى ميادين الصراع في عالمنا المعاصر، تستمر رسالة العدالة التي حملها، وتبقى مدرسة الشهادة التي جسدها مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن الحق قد يُحارب، لكنه لا يهزم .. لا يهزم .