مقتَلُ “عليّ” عليه السلام، خلودٌ لانهاية..!
كوثر العزاوي ||

عندما نُبحِرُ في عمق التاريخ الأنساني الطويل، لم نجد ولم نعرف بَعدَ الرسول”صلى الله عليه وآله”، رجلًا كاملًا كالإمام علي بن إبي طالب “عليه السلام” تجلّى فيه الخير، وحملَ كلّ الصفات والفضائل، والمناقب والمحاسن الأخلاقية والإنسانية، منذ أقرَّ إيمانَهُ بالرسول وصدّق بالرسالة النبوية.
وللأمة والتأريخ حقّ الأفتخار، بأن يخلّد هذا الرجل المعصوم “عليه السلام” مابقيت الحياة وإلى يوم القيامة.
وليس للتاريخ فضلٌ لعليّ! إنما لعليّ “عليه السلام” الفضلُ الكبير على الأمة، فلا يضاهيه فضل لأحد بعد رسول الله “صلى الله عليه وآله”، لأنّهما أبوا هذه الأمة بلا منازع، وذلك عندما نصَعت أمة الإسلام شامخة بتأريخ “عليّ” المطرّز بألوان المواقف البطولية، والمناقب الباهرة، ليبقى نهجًا خالدًا وحبلًا ممتدًا إلى يوم القيامة.
“عليّ عليه السلام” هو أول من نصرَ الأسلام بسيفهِ، عندما برزَ في معركةِ الخندق بمواجهة عَمر بن ودٌ العامري، التي عَدَلت ضربة سيفهِ آنذاك عبادةُ الثقلين، وإنّه أول من افتدى رسول الله بنفسهِ يوم المبيت بفراشه “والموقف مشهور ومعروف”
والتاريخ حافلٌ بما جادَت به حياة عليٍّ على الأمة الإسلامية من عطاءٍ ثرٍّ حتى آخر ثلاثة أيّام من عمره الشريف، بعد أن ضُرِّجت هامتهُ المباركة بدَم الشهادة، من لَعينٍ باع شرَفهُ وآخرتَه لباغية، مقابل اغتيال عِدلِ القرآن.
وطوال أيّام مرضهِ إثر ضربة اللعين، كان”عليه السلام” يلهج بذكر الله، راضيًا بقضائه، مستسلِمًا لأمره، ثم عهِدَ بالإمامة إلى ابنه الإمام الحسن”عليه السلام” كي لاتضيع الأمة بعده.
يقول الأصبغ: {فدخلت، وإذا بالإمام أمير المؤمنين، مسجّى على سرير المرض، وقد شُدَّ موضع جرحه بعصابة صفراء، فلم أستطع أن أُميِّز أيهما أشد صفرة، وجهه أم العصابة! وكان”عليه السلام” يُغمى عليه حينًا، ويفيق حينًا آخر}.
ورغم ذلك لم يترك هداية الناس حتّى وهو في هذه الحالة، أصدر الوصية تلو الوصية، في حضرة وَلدَيهِ الحسن والحسين “عليهما السلام” داعيًا لإقامة حدود الله عزّ وجلّ، مُحذِّرًا من الهوى والتراجع عن حمل الرسالة الإسلامية، ومن وصيّته “عليه السلام” التي خاطب بها الحسن والحسين وأهل بيته، ونحن نعتقد، أنّ وصية المعصوم نافذة المفعول لأجيال الأُمّة الإسلامية على مرّ الزمان:
{أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغَيا الدنيا وإن بَغتكما، ولا تأسَفا على شيء منها زُويَ عنكما، وقُولا بالحقّ، واعمَلا للأجر، كُونا للظالم خَصمًا، وللمظلوم عونًا، أوصيكما وجميع وُلدي وأهلي ومَن بَلغهُ كتابي، بتقوى الله، ونَظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكما”صلى الله عليه وآله”يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام، الله الله في الأيتام، فلا تُغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، الله الله في جيرانكم، فإنّهم وصية نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورثهم.
الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم، الله الله في الصلاة، فإنّها عمود دينكم، الله الله في بيت ربّكم، لا تُخلّوه ما بقيتم، فإنّه إن تُرك لم تناظروا، الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإيّاكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيُولّى عليكم أشراركم، ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم}..انتهى
ترى! أي حياة ستستقيم بلا هديِ عليّ، وحقُّ عليّ الذي يدور معه حيث دار، فهل بعد هذا النهج العمليّ الحياتيّ من نهج؟!
السلام عليك يا أمير المؤمنين،
كُنتَ لِلمُؤمِنِينَ أَبًا رَحِيمًا إِذ صارُوا عَلَيكَ عِيالاً فَحَمَلتَ أَثقالَ ما عَنهُ ضَعَفُوا..
٢٠-رمضان-١٤٤٧هـ
١٠-آذار-٢٠٢٦م




