الخميس - 14 مايو 2026

الشهيد علي الغالبي.. حين ينهض الجنوب ليصنع المجد بالدم..!

منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم :(ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )

في ارض الشطرة ،تلك المدينة الجنوبية الوادعة في محافظة ذي قار ولد الشهيد علي هاشم حسن الغالبي ،في الثاني عشر من شباط عام 1981 ليكون واحدا من أولئك الرجال الذين لاتصنعهم الظروف السهلة ،بل تنحت شخصياتهم من صلابة الأرض وقسوة الايام .

نشأ علي في بيئة جنوبية أصيلة ،تشبعت بروح الفداء والغيرة والايمان ، بيئة تربي أبنائها على أن الأرض عرض ، وان المقدسات ليست مجرد اماكن ، بل كرامة أمة وتاريخ عقيدة ، عاش علي حياة بسيطة كـكثير من أبناء الجنوب ،

لم يعرف الترف والرفاهية والراحة ، أكمل دراسته الابتدائية ولكن ضيق الحال والظروف الصعبة حالت دون إكمال تعليمه ،فدخل مبكراً إلى ميدان الكفاح اليومي بحثاً عن لقمة عيش شريفة وكريمة ،

كان رجلاً قليل الكلام ، لكنه من الذين إذا وعدوا اوفوا واذا احتاجهم وطنهم للدفاع عنه وناداهم الواجب والتكليف كانوا من اول الملبين ،تزوج ورزق علي بولد واحد ،كان يرى فيه امتداد روحه وأمله في المستقبل ،لكن قلب علي اكبر من أن يقتصر على هموم الحياة الصغيرة فقط كان يحمل في داخله شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه وطنه وعقيدته وكأن القدر كان يهيئه لدور أكبر من حياته البسيطة.

عام 2014 عندما أجتاح الخطر أرض العراق وارتفعت أصوات الاستغاثة دفاعاً عن الارض والمقدسات لم يتردد للحظة للالتحاق بصفوف المقاومة الإسلامية وانضم إلى لواء 42 ضمن تشكيلات الحشد الشعبي ، وهناك بدأ الفصل الحقيقي من حياته الفصل الذي كتب سطوره بالدم لا بالحبر ، لم يكن علي مقاتلاً عادياً ،بل كان رجل ميدان يعرف أن المعركة ليست فقط دفاعاً عن الارض بل دفاعاً أيضا عن العقيدة والهوية والكرامة ،

وحين تصاعد التهديد على مرقد السيدة زينب عليها السلام في سوريا ، لم يتراجع ولم يتردد حمل سلاحه وترك زوجته وطفله الوحيد وسار نحو الشام مدفوعاً بنداء الولاء والغيرة ،نداء يوقظ في القلوب روح كربلاء ويعيد إلى الذاكرة معنى التضحية ،

وفي ريف دمشق حين اشتدت المعارك وتكسرت موجات الإرهاب التكفيري كان علي في خطوط المواجهة الأولى ،قاتل بشجاعة نادرة وشارك في معارك ضارية لم يعرف فيها التراجع كان يتقدم بثبات كأن الشهادة موعد ينتظره وكأن الموت في سبيل القضية حياة لانهاية لها ،

ففي العشرين من كانون الاول عام 2015 بأحدى المواجهات العنيفة أرتقى علي هاشم حسن الغالبي شهيداً بعد قتال بطولي حتى آخر رمق ،سقط جسده الطاهر في ارض المعركة ولم يعثر عليه حينها فبقي مفقوداً لسنوات ،كأن الأرض احتضنته أمانة حتى يحين أوان العودة .

مرت السنوات وظلت عيون أهله ورفاقه تنتظر حتى جاء عام 2020 ، حين عثر على جثمانه الطاهر عاد علي لكن ليس كغائب بل كبطل منتصر عاد محمولاً على الأكتاف ملفوفاً بالرايات ، تحيط به دموع الفخر قبل دموع الحزن ،وتفوح منه رائحة البطولة التي لا تفارق أجساد الشهداء ،

لم يكن علي الغالبي مجرد مقاتل في معركة بل كان قصة رجل آمن بأن الكرامة أثمن من الحياة وأن بعض الرجال يكتب لهم أن يصنعوا التاريخ بصمتهم وتضحياتهم ،من الشطرة إلى ريف دمشق رسم علي بدمه طريقاً لايزال يسير عليه الاحرار .

فسلام على علي يوم ولد في ذي قار ، ويوم ارتقى شهيداً في ارض الشام ، ويوم عاد إلى أهله مكللاً بخلود الشهداء ،لتبقى شاهداً على زمن وقف فيه الرجال حيث يجب أن يقفوا .