حرب الإرادات: رسائل طهران ومأزق التوازنات..!
طه حسن الأركوازي ||

في خضم التصعيد المُتسارع في الشرق الأوسط ، تتزايد المُؤشرات على أن المواجهة الدائرة بين إيران من حهة والولايات المتحدة وأسرائيل من جهة أخُرى لم تعد مُجرد جولة توتر عابر ، بل تحوّلت إلى صراع إرادات مفتوح تُحاول فيه كُل الأطراف إعادة رسم حدود الردع والنفوذ في المنطقة ،
وفي هذا السياق برزت تصريحات نائب قائد فيلق خاتم الأنبياء المركزي “كيومرث حيدري” ، التي نقلتها وكالة فارس الإيرانية ، لتضيف بُعداً جديداً إلى المشهد ، إذ تحدثت عن مهلة طلبتها بعض دول المنطقة من طهران تتراوح بين 48 ساعة وأسبوع لحسم مُواقفها في ظل الضغوط الأمريكية ، هذه التصريحات وإن جاءت في إطار إعلامي إيراني ، إلا أنها تعكس جانباً من طبيعة اللحظة السياسية التي تعيشها المنطقة ، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالدبلوماسية ، وتتحول القرارات إلى أختبارات مُعقدة للتوازنات الإقليمية .
التصريحات المنسوبة إلى حيدري حملت رسائل مُتعددة المستويات ، فمن جهة أكدت طهران أنها لا تنظر إلى المُواجهة الراهنة بوصفها حدثاً محدود الزمن ، بل صراعاً أستراتيجياً مُرتبطاً بإعادة تعريف ميزان القوى مع الولايات المتحدة في المنطقة ، ومن جهة أخرى ، أظهرت أن إيران تحاول تقديم نفسها كطرف مُستعد لتحمل تبعات الصراع على المدى الطويل ، مُستندة في ذلك إلى خبرات سابقة في إدارة الحروب الممتدة في الإقليم .
إحدى النقاط اللافتة في التصريحات هي الإشارة إلى أن بعض دول المنطقة طلبت مُهلة زمنية قصيرة لحسم موقفها من واشنطن ، ورغم أن الأسماء لم تُذكر ، فإن هذه الإشارة تعكس حجم الضغوط السياسية التي تواجهها دول الشرق الأوسط في لحظة الاستقطاب الراهنة ، فالدول التي ترتبط بعلاقات أمنية أو عسكرية مع الولايات المتحدة تجد نفسها في موقع حرج بين التزاماتها الاستراتيجية من جهة ، ومخاوفها من تداعيات الانخراط في صراع إقليمي واسع من جهة أخرى .
هذا النوع من الرسائل عادة لا يُطلق في الإعلام دون هدف سياسي واضح ، فإيران عبر تسريب مثل هذه المعلومات ، تسعى إلى توجيه رسالة مزدوجة :
الأولى : إلى واشنطن مفادها أن أي تحرك عسكري أو سياسي ضدها لن يمر دون رد.؟
والثانية : إلى دول المنطقة بأن خيار الاصطفاف الكامل مع الولايات المتحدة قد يحمل كلفة استراتيجية عالية .؟
وفي الوقت ذاته ، تحاول طهران إظهار أنها تتعامل بقدر من المرونة مع بعض العواصم الإقليمية ، عبر الإشارة إلى قبولها منح مهلات زمنية لحسم المواقف .
أما فيما يتعلق بالجانب العسكري ، فقد أشار حيدري إلى أن إدارة العمليات تقع ضمن مسؤولية فيلق خاتم الأنبياء المركزي ، وهو أحد الأطر القيادية التي تشرف على التخطيط العملياتي في منظومة الدفاع الإيرانية ، هذا التأكيد يحمل دلالة مهمة ، إذ يشير إلى أن طهران تحاول إبراز وجود هيكلية قيادة مركزية عُليا للحرب بما يعكس صورة دولة تُدير المواجهة وفق حسابات مُؤسسية ، وليس وفق ردود فعل عاطفية أو مُتسرعة .
وفي المقابل ، حرصت التصريحات على نفي إغلاق مضيق هرمز ، وهو أمر بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي ، فالمضيق يمُثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم ، وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه يمكن أن يؤدي إلى تداعيات أقتصادية واسعة النطاق ، لذلك يبدو أن طهران تحاول الحفاظ على معادلة دقيقة هي “إبقاء ورقة الضغط الاستراتيجية قائمة دون الذهاب إلى خطوة قد تؤدي إلى مواجهة دولية واسعة”.
وفي قراءة أوسع للمشهد ، يمكن القول إن المنطقة تقف أمام مرحلة أختبار حقيقي لصلابة التحالفات التقليدية ، فالتوترات المُتصاعدة لا تضع الدول أمام خيار عسكري مُباشر فقط ، بل تفرض عليها أيضاً مراجعة حساباتها السياسية والاقتصادية والأمنية ، وفي كثير من الأحيان ، تكون قرارات الحياد أو التوازن أصعب من قرارات الاصطفاف الواضح .
أما بالنسبة للعراق ، فإن هذا المشهد يحمل حساسية خاصة ، فالعراق يقف في قلب التوازنات الإقليمية ، ويحتفظ بعلاقات مُعقدة مع كُل من الولايات المتحدة وإيران في آن واحد ، كما أن ذاكرة العراق الحديثة ما تزال مُثقلة بتجارب الصراعات الطويلة التي أستنزفت الدولة والمجتمع لعقود ، ولهذا فإن أي تصعيد إقليمي جديد قد يضع بغداد أمام تحدٍ دقيق يتمثل في كيفية حماية مصالحها الوطنية دون الانجرار إلى صراعات الآخرين .
إن التجربة العراقية تقدم درساً مُهماً في هذا السياق ، فالحروب الطويلة قد تبدأ بشعارات كُبرى لكنها غالباً ما تنتهي بأثمان باهظة تتحملها الشعوب والدول على حد سواء ، ولهذا فإن إدارة الأزمات الإقليمية تتطلب قدراً عالياً من الحكمة السياسية ، خصوصاً في الدول التي تقع عند تقاطعات النفوذ الدولي والإقليمي .
ختاماً .. تكشف التصريحات الأخيرة عن مرحلة تتسم بقدر كبير من الغموض الاستراتيجي في الشرق الأوسط ، فالأطراف المُختلفة تسعى إلى أختبار حدود القوة ، والردع دون الانزلاق إلى مُواجهة شاملة يصعب التحكم بنتائجها ، وبين التصعيد الإعلامي ، والحسابات العسكرية الهادئة ، تبقى الدبلوماسية هي المسار الأكثر قدرة على تجنب الانفجار الكبير .
أما بالنسبة للعراق ، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مُتابعة صراعات الآخرين ، بل في بناء سياسة وطنية مُتوازنة تحمي سيادته وتمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية .
إن الحكمة السياسية تقتضي من الطبقة الحاكمة في بغداد أن تتعامل مع هذه التحولات بوعي أستراتيجي ، وأن تضع المصلحة الوطنية فوق حسابات الاصطفاف المؤقت ، فالدول التي تنجح في العواصف الإقليمية ليست تلك التي ترفع الصوت الأعلى ، بل تلك التي تمتلك رؤية واضحة لكيفية حماية مُستقبلها وسط عالم سريع التغير …!




