الجمعة - 15 مايو 2026
منذ شهرين
الجمعة - 15 مايو 2026

الشيخ أكبر علي الشحماني ||

يشكّل الإمام علي خامنئي أحد أبرز الفاعلين في إعادة تشكيل بنية النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد عام 1979. فالرجل لم يكن مجرد شخصية دينية تقلّدت منصبًا سياسيًا، بل كان مهندسًا لإعادة ضبط العلاقة بين العقيدة والسلطة، وبين الدولة والثورة، وبين الهوية القومية والرسالة العابرة للحدود.
أولًا: النشأة والتكوين العلمي
وُلد الإمام في مدينة مشهد عام 1939 في أسرة علمية متواضعة. تلقّى علومه الدينية في الحوزة، ثم انتقل إلى قم حيث تتلمذ على يد كبار المراجع، وفي مقدمتهم
روح الله الخميني.
هذا التكوين الحوزوي لم يكن تقليديًا فحسب، بل اتّسم بوعي سياسي مبكر؛ إذ انخرط في التيار المعارض لنظام الشاه، جامعًا بين الفكر الفقهي والنشاط الثوري.
ثانيًا: الدور في الثورة الإسلامية
خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، تعرّض الإمام للاعتقال عدة مرات بسبب نشاطه المعارض لنظام الشاه. ومع اندلاع الثورة عام 1979، كان ضمن الحلقة القيادية التي أسست للنظام الجديد.
هنا يتبدّى البعد التنظيمي في شخصيته؛ فقد شارك في بناء مؤسسات الدولة الثورية، وكان عضوًا في مجلس الثورة، وأسهم في صياغة الإطار السياسي الذي مزج بين الشرعية الشعبية والمرجعية الدينية.
ثالثًا: مرحلة رئاسة الجمهورية (1981–1989)
انتُخب رئيسًا للجمهورية في مرحلة شديدة الحساسية تزامنت مع الحرب العراقية-الإيرانية. خلال تلك المرحلة، عمل على:
تثبيت أركان الدولة الحديثة.
تعزيز البنية الدفاعية.
إدارة التحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار.
كانت الرئاسة بالنسبة له مدرسة إدارة أزمة طويلة الأمد، أكسبته خبرة عملية في تسيير الدولة تحت الضغط.
رابعًا: تولّي القيادة العليا عام 1989
بعد وفاة الإمام الخميني عام 1989، اختاره مجلس الخبراء مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية. ومنذ ذلك الحين، أصبح صاحب الكلمة الفصل في التوجهات الاستراتيجية للدولة.
طبيعة المنصب
منصب المرشد الأعلى في إيران يجمع بين:
المرجعية الدينية.
القيادة السياسية العليا.
الإشراف على القوات المسلحة.
توجيه السياسات العامة.
وقد أعاد الإمام خامنئي صياغة هذا الدور ليكون محور التوازن بين المؤسسات المنتخبة (الرئاسة والبرلمان) والمؤسسات السيادية.
خامسًا: الرؤية الفكرية والسياسية
1. مفهوم “الاستقلال الحضاري”
يرتكز فكره على رفض التبعية للغرب، واعتبار الاستقلال السياسي والثقافي ركيزة أساسية لبقاء الدولة.
2. الاقتصاد المقاوم
طرح مفهوم “الاقتصاد المقاوم” كإطار للتعامل مع العقوبات، قائم على:
دعم الإنتاج المحلي.
تقليل الاعتماد على الخارج.
تعزيز الاكتفاء الذاتي.
3. محور المقاومة
يُعدّ أحد أبرز المنظّرين لفكرة “محور المقاومة” كشبكة تحالفات إقليمية تهدف إلى مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي في المنطقة.
سادسًا: السياسة الخارجية وإعادة التوازن الإقليمي
في عهده:
توسّع النفوذ الإيراني في الإقليم.
تعزّز دور الحرس الثوري كفاعل إقليمي.
برزت إيران لاعبًا رئيسيًا في ملفات العراق، سوريا، لبنان واليمن.
هذا التمدد الإقليمي أثار جدلًا واسعًا بين من يراه تعزيزًا للردع الاستراتيجي، ومن يعتبره سببًا لتصاعد التوترات الدولية.
سابعًا: التحديات الداخلية
شهدت فترة قيادته:
احتجاجات سياسية واقتصادية متكررة.
صراعًا بين التيارات الإصلاحية والمحافظة.
ضغوطًا اقتصادية بسبب العقوبات الدولية.
تعامل مع هذه التحديات عبر مزيج من الضبط الأمني وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، محافظًا على استمرارية النظام.
ثامنًا: قراءة نقدية في التجربة
تتباين التقييمات حول شخصيته:
أنصاره يرونه:
رمزًا للثبات الاستراتيجي.
حاميًا للهوية الإسلامية.
ضامنًا لاستقلال القرار الإيراني.
منتقدوه يعتبرونه:
ممثلًا لمركزية السلطة.
معطّلًا لمسارات الانفتاح السياسي.
مسؤولًا عن تشديد القبضة الأمنية.
تاسعًا: البعد الحضاري في خطابه
يمتاز خطابه بمزجٍ بين:
الاستدلال القرآني.
التحليل الجيوسياسي.
الاستحضار التاريخي.
ويظهر فيه تركيز واضح على فكرة “الصراع الحضاري” بين نموذجين: نموذج الهيمنة الغربية ونموذج الدولة الإسلامية المستقلة.
الخاتمة
يشكّل الإمام علي خامنئي أحد أهم الفاعلين في السياسة الإقليمية خلال العقود الأربعة الأخيرة. فسواء اتُّفق معه أو اختلف حوله، فإن تأثيره في رسم ملامح إيران المعاصرة لا يمكن إنكاره.
إن دراسة تجربته تكشف عن نموذج خاص في الحكم يجمع بين المرجعية الدينية والبنية المؤسسية الحديثة، ويقدّم قراءة مختلفة لمفهوم الدولة في العالم الإسلامي المعاصر