الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 3 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||


الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

ونحن عندما نكتبُ عن شهادة الحسن المجتبى (ع) إنما يخطّ القلم بحزنٍ ولائي ظاهر ، لأننا ندرك أن الفجوة أعمق من أن يتمَّ ترميمها بهذه الكلمة ، وإن شعورنا أقدس من أن يستوعبه هذا الموضوع ..

فعذراً يا سيدي إذا فاض حزني على هذه السطور المتواضعة .

فيا سيدي ومولاي يا أبا محمد إني استشفع بك لموضوعي هذا بالرغم من قِصرِهِ أمام إمام من أهل البيت (عليهم السلام) ، ولكن ما باليد حيلة لأني مهما أُحلّق بكَ عالياً فإن الأرض البشرية تجذبني نحوها .

فيا سيدي إن ذكرك يجعل الحياة تتدفق داخلنا من جديد لأننا أُمرنا بمحبتك في كتاب الله المجيد ، (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) .
سُمّي بالمجتبى : لان الله سبحانه اجتباه أول الأئمة بعد أبيه ، ولأنه مجتبى من المعاصي .

فَرِح به جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه يوازيه في شمائله ، ويحاكيه في سمو نفسه . فكان بحق قبس من السناء النبوي ، ومحتدّ من الأصل العلوي .

شب الوليد في كنف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، وتغذى من معين رسالته وأخلاقه وسماحته وورث عنه (ص) هديه وأدبه وهيبته وسؤدده ، مما أهله للإمامة التي كانت تنتظره بعد أبيه (ع) ، وقد صرَح بها جدَه في أکثر من مناسبة حينما قال (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ، اللهم إني أحبهما فأحب من يحبَهما) .

كما وتربى تحت ظلال الوصي علي بن أبي طالب (ع) ، وفي رعاية الزهراء (ع) ، ليأخذ من نبع الرسالة كلّ معانيها ، ومن ظلال الولاية كلّ قِيَمِها ومن رعاية العصمة كلّ فضائلها ومكارمها .

لقد اجتمع في هذا الإمام العظيم شرف النبوة والإمامة ، بالإضافة إلی شرف الحسب والنسب ، ووجد المسلمون فيه ما وجدوه في جدَه وأبيه حتی کان يذکَرهم بهما ، فأحبوه وعظَموه ، وکان مرجعهم الأوحد بعد أبيه ، فيما کان يعترضهم من مشکلات الحياة وما کان يستصعبهم من أمور الدين ، لاسيما بعد ان دخلت الأمة الإسلامية حياة حافلة بالأحداث المريرة التي لم يعرفوا لها نظيراً من قبل .

وکان الإمام الزکي المجتبی في جميع مواقفه ومراحل حياته ، مثالاً کريماً للخَلق الإسلامي النبوي الرفيع في تحمل الأذی والمكروه في ذات الله والتحلي بالصبر الجميل والحلم الكبير ، حتی اعترف له ألد أعدائه – مروان بن الحكم – بان حلمه يوازي الجبال . کما اشتهر بالشجاعة والسماحة والكرم والجود والسخاء بنحو تميَز عن سائر الكرماء والأسخياء .

عَنْ جَابِرٍ (رض) عَنِ النَّبِيِّ (ص) : أنَّهُ سَمَّى الحَسَنَ حَسَنَاً لِأنَّ بِإحْسَانِ اللهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُونَ .
وَجَاءَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكَ أنَّهُ قَال : دَخَل الحَسَنُ عَلى النَّبِيِّ (ص) فَأرَدْتُ أنْ أُمِيطَهُ عَنهُ ، فَقَالَ : وَيحَكَ يَا أنَسُ ! دَعْ أبني وَثَمَرَةَ فُؤَادِي ، فَإنَّ مَنْ آذَى هَذَا آذَانِي ، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى الله .

شارك في بيعة الرضوان وحضر المباهلة مع أهل البيت (عليهم السلام) ، وممن شملتهم آية التطهير وآية الإطعام في سورة هل أتى ، وآية المودة في سورة الشورى .. فيكون ربيب القرآن الكريم والسُّنة والسيرة النبوية المطهرتين ، وأنعِم بها من حياة مقدسة .

وفي تفسير قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) ، فعن سعيد بن جبير قال : نزلت هذه الآية والله خاصّة في أمير المؤمنين (ع) قال: كان أكثر دعائه يقول: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا (يعني فاطمة) و(وَذُرِّيَّاتِنَا) يعني الحسن والحسين (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) قال أمير المؤمنين (ع) : والله ما سألت ربّي ولداً نضير الوجه ، ولا سألته ولداً حسن القامة ، ولكن سألت ربي وُلداً مطيعين لله ، خائفين وجلين منه ، حتى إذا نظرت إليه وهو مطيع الله قرَّت به عيني .

وكان علي (ع) قد أعطى الراية لولده الحسن (ع) في كتيبته الخضراء التي جمعت وجوه المهاجرين والأنصار ، فحمل بها على أنصار الجمل حتى زعزع صفوفهم .

نص أمير المؤمنين (ع) علی خلافة ابنه الحسن المجتبى وسلَمه مواريث النبوة ، اجتمع عليه أهل الكوفة وجماعة المهاجرين والأنصار وبايعوه بالخلافة بعد أن طهَره الله من کل نقص ورجس ، بالإضافة إلی توفرَ جميع متطلبات الخلافة فيه من العلم والتقوی والشجاعة والحزم والجدارة ، وتسابق الناس الی بيعته في الکوفة والبصرة ، کما بايعه أهل الحجاز واليمن وفارس وسائر المناطق التي کانت تُدين بالولاء والبيعة لأبيه (ع) .

وحين بلغ معاوية وأتباعه نبأ البيعة ، بدأوا يعملون بكل ما لديهم من مکر وخداع لإفساد أمره والتشويش عليه وذلك بروايات هزيلة تحطُّ من شخصيته وتنال منه وأقبحها هو أنه كان مزواج ومطلاق وجعلوا هذه الفرية على لسان جده (ص) ، والفرية الأخرى هي انه أذل المؤمنين بصلحه مع معاوية .

وان الذي وضع قضية كثرة الطلاق هو ابو طالب المكي المعروف بالمدائني في كتابه (قرت القلوب) ، وعند أهل الحديث والجرح والتعديل والمؤرخين هو ليس من الثقاة وانه وضّاع كذّاب لا يؤخذ بقوله .

بينما أُنظر إلى الفاجر المغيرة بن شعبة وقد طلّق ألف امرأة بغية منه ، في نشر الفساد والدعارة في المجتمعات الإسلامية ، كما ذكر صاحب السيرة الحلبية .

وقد سُمي المغيرة بالمطلاق لأنه عوّدَّ نساؤه على الفاحشة وشرب الخمر ، وبعد ذلك طلّقهن بهدف نشر الفساد والرذيلة .

أما الإمام المجتبى (ع) فإذا أقدم على الزواج فيتزوج زوجة شهيد قُتل بين يدي أمير المؤمنين (ع) في حروبه .

أما صلحه مع طاغية الشام فكان اضطراراً حسنياً بسبب خيانة بعض رؤساء الكوفة ، فاستدعى الأمر أن يحافظ على البقية الباقية من شيعته وشيعة أبيه من أجل التمهيد بهم لمعركة الطف الخالدة .
من هنا اعد معاوية العدة لمحاربة الإمام المجتبی (ع) ، واطمأن بان المعرکة ستكون لصالحه وسيكون الحسن والمخلصون له من جنده بين قتيل وأسير ، ولکن هذا الاستيلاء سوف يفقد الصيغة الشرعية التي کان يحاول ان يتظاهر بها لعامة المسلمين ولذلك حرص معاوية أن لا يتورط في الحرب مع الإمام الحسن (ع) ، معتمدا المكر والخداع والتمويه وشراء الضمائر وتفتيت جيش الإمام ، ولم يكن للإمام بد من اختيار الصلح بعد أن تخاذل عامة جيشه وأکثر قادته ولم يبقَ معه إلا فئة قليلة من أهل بيته والمخلصين من أصحابه ، فتغاضی عن السلطة دفعاً للافسد بالفاسد في ذلك الجو المحموم فكان اختياره للصلح في منتهی الحكمة والحنكة السياسية الرشيدة تحقيقاً لمصالح الإسلام العليا وأهدافه المثلی .

والموضوع المهم الآخر ، الذي لابد من الإشارة إليه ، هو أنه على حسب النقل التاريخي فإن الوضع في أيام خلافة معاوية وسياسة المسلمين تقتضي وضوع هذا الصلح ، لأن إمبراطور الروم الشرقية كان يتعقّب الأوضاع الداخلية للمسلمين بدقة ويهيء نفسه فيما لو وقعت حرب بين الإمام الحسن (ع) ومعاوية ، ليقوم بشن هجوم على حدود البلاد الإسلامية ليُجبر إنهزاماته السابقة ، ولو وقع هذا الأمر حقاً جاز أن يَلحق ضربة قاضية بجسد الإسلام والمسلمين .

ومن هنا يمكن أن ندرك قول الإمام الباقر (ع) : {والله الذي صنعه الحسن بن علي (عليه السلام) كان خيراً لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس ، ووالله لقد نزلت هذه الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) إنّما هي طاعة الإمام ، ولكنّهم طلبوا القتال (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال)ُ مع الحسين (عليه السلام) (قالوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم (عليه السلام)} .

نقول : إنّ خيانة القيادة الشرعية للإمام الحسن (ع) هي التي سمحت لخطّ الإنحراف أن يستلم زمام الخلافة ويحوّلها إلى إرثٍ عائلي ، بدلاً من أن تكون الخلافة هي القائدة لمسيرة الأمة نحو الفلاح والنجاح عبر الحفاظ على خطّ الإستقامة في رحاب طاعة الله والإقتداء بسنة نبيه (ص) ومن خلال القادة المؤمنين والمؤتمنين على دين الله وأمّة الإسلام ،

وهذا ما ينبغي أن نستفيد منه فلا نترك القيادة الشرعية مهما كانت عوامل الترغيب أو الترهيب التي يمارسها أصحاب المطامع الدنيوية الفانية .

لمّا صالح الإمام الحسن المجتبى (ع) معاوية ، دخل النّاس عليه ولامه بعض الشيعة على بيعته ، فقال (ع) :
«ويحكم ما تدرون ما عملت ، واللّه الَّذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت ، ألا تعلمون أنّي إمامكم ومفترض الطاعة عليكم ، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة بنصّ من رسول اللّه (صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم) عَلَيَّ ؟» .

قالوا بلى .
قال (ع) : «أما علمتم أنّ الخضر (ع) لمّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار وكان ذلك سخطاً لموسى بن عمران (ع) إذ خفى عليه وجه الحكمة في ذلك وكان عند اللّه حكمة وصواباً ؟ أما علمتم أنّه ما منّا أحد إلّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية في زمانه إلّا القائم الَّذي يصلّي روح اللّه عيسى بن مريم خلفه ؟

وأنّ اللّه عزّ وجلّ يُخفي ولادته ويغيّب شخصه لئلاّ يكون في عنقه بيعة إذا خرج ، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ، ابن سيّدة الإماء ، يطيل اللّه عمره في غيبته ثمّ يظهره بقدرته في صورة شابّ دون أربعين سنة ، ذلك ليعلم أنّ اللّه على كلّ شيءٍ قدير» .
اللهم بحق الحسن المجتبى (عليه السلام) إجعلنا ومن يلوذ بنا والمؤمنين والمؤمنات ممن يفوزون بالجنة التي هو سيدها يا أرحم الراحمين .