الحرب الظالمة: من دفع واشنطن إلى النار؟!
طه حسن الأركوازي ||

لم تعد المُواجهة الدائرة مُجرد تصعيد عسكري عابر ، بل تحولت خلال أسبوعها الأول إلى حرب مفتوحة المعالم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، غير أن السؤال الجوهري لم يعد مُتعلقاً بتفاصيل الضربات وحجم الخسائر ، بل بمنطق الحرب ذاته هو كيف اندلعت .؟
ومن دفع بأتجاهها .؟
وهل كانت فعلاً الخيار الأخير ، أم نتيجة قرار سياسي أتُخذ سلفاً تحت عناوين الردع والأمن .؟
التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي ترتمب ، والتي أشار فيها إلى ضغوط وحسابات إقليمية مرتبطة بإسرائيل والسعودية ، تفتح باباً تحليلياً يتجاوز الرواية التقليدية عن “الخطر الداهم” ،
فحين يقرّ رأس السلطة التنفيذية بوجود حوافز خارجية مؤثرة في قرار الحرب ، فإننا لا نكون أمام مواجهة مفروضة بقدر ما نكون أمام تفاعل مصالح ، وتحالفات دفعت بأتجاه الخيار العسكري قبل أستنفاد البدائل .
الحرب ، وفق قواعد القانون الدولي لا تُقاس بالنوايا بل بالفعل الابتدائي ، ومبدأ حظر أستخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة لا يسمح بالضربات الاستباقية إلا في حالات التهديد الوشيك المحدد ، حتى الآن لا توجد مُعطيات مُعلنة تثبت وقوع هجوم إيراني مباشر على الأراضي الأمريكية أو الإسرائيلية قبيل أندلاع المواجهة الأخيرة يرقى إلى مستوى إعلان حرب ،
ما جرى هو أنتقال من سياسة الضغط والعقوبات والضربات غير المنسوبة إلى أستهداف مُباشر وعلني للقيادة الأيراني وفي مقدمتهم المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي( قدس) وقيادات الخط الأول في طهران ، وكذلك لمُنشآت داخل إيران وهو ما نقل الاشتباك من “حرب ظل” إلى “حرب فعلية” المُعطيات توحي أنها مفتوحه .
خلال الأسبوع الأول ، تكشف الوقائع عن ثلاث حقائق أساسية بعيداً عن الخطاب التعبوي ، الحقيقة الأولى : أن الضربات الجوية ، رغم كثافتها على أيران لكنها لم تُحقق شللاً أستراتيجياً للبُنية العسكرية الإيرانية ، المُنشآت الحساسة ، ولا سيما تلك المُرتبطة بالبرنامج النووي أو القدرات الصاروخية ، بُنيت منذ سنوات وفق “عقيدة التحصين والتوزيع الجغرافي” ، هذا يعني أن الرهان على ضربة خاطفة تُنهي المعركة خلال أيام لم يكن واقعياً من الأساس .
الحقيقة الثانية : أن قرار الحرب لم يحظَ بإجماع داخلي أمريكي كامل ، فالدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سُلطة إعلان الحرب ، وأي توسع في العمليات يضع إدارة ترتمب أمام مُساءلة سياسية وقانونية ، في تجارب سابقة أثبتت الحروب المُمتدة أنها تستنزف الداخل قبل الخارج ، وهو ما يدركه صُناع القرار جيداً ، خصوصاً في ظل أنقسام سياسي حاد .
الحقيقة الثالثة : أن المواجهة المباشرة مع إيران لا تبقى محصورة في جغرافيتها ، فإيران ليست دولة معزولة بلا أمتدادات ، بل لاعب إقليمي له أدوات تأثير متعددة ، وعليه فإن توسيع دائرة الاستهداف يرفع أحتمال أتساع رقُعة الرد ، سواء عبر الممرات البحرية أو عبر ساحات إقليمية مُترابطة ، هذا ليس خطاباً إنشائياً ، بل قراءة في طبيعة التوازنات التي تشكلت خلال العقدين الأخيرين .
أما البعد الإسرائيلي ، فيرتبط بحسابات ردع طويلة الأمد ، فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بأعتباره تهديداً وجُودياً ، وتعتبر أن اللحظة الحالية قد تكون فرصة لإعادة ضبط ميزان القوة ، غير أن الاعتماد شُبه الكامل على الغطاء الأمريكي في العمليات الكبرى يكشف أن القرار ليس إسرائيلياً خالصاً ، بل جزء من هندسة تحالفية أوسع .
وفي ما يتعلق بالسعودية ، فإن أي دور تحفيزي إذا ثبت سياسياً يجب قراءته ضمن سياق صراع النفوذ الإقليمي ، غير أن الدفع نحو مُواجهة عسكرية شاملة ينطوي على مخاطرة أستراتيجية لجميع دول المنطقة ، بما فيها الدول التي قد ترى في إضعاف إيران مكسباً مرحلياً ، فالحروب الكُبرى لا تُعيد رسم خرائط النفوذ فقط ، بل تُعيد أيضاً توزيع المخاطر بطريقة قد لا يمكن التحكم بها .
بعد أيام من المواجهة ، يتضح أن لا نصر حاسماً تحقق ، ولا أنهيار سريعاً وقع ، فالولايات المتحدة وإسرائيل أختبرتا القدرة على المُبادرة الهجومية ، لكنهما دخلتا في الوقت نفسه في معادلة أستنزاف مفتوحة ، فإيران ، من جهتها أنتقلت من موقع المُتلقي للضربة إلى موقع الرد المُباشر وقد قامت بتوجيه ضربات قوية لمواقع أستراتيجيه عالية الحساسية للقواعد والمصالح الأمريكية والأسرائيليه في الخليج والمنطقة ما غيّر قواعد الاشتباك التي سادت لسنوات .
وصف هذه الحرب بالظالمة لا يستند إلى أنحياز عاطفي ، بل إلى معيار بسيط هو إذا كان خيار القوة قد أتّخذ قبل أستنفاد المسار الدبلوماسي ، وإذا كان الدافع سياسياً تحالفياً أكثر منه دفاعاً آنياً عن النفس ، فإن الشرعية الأخلاقية والقانونية تصبح موضع تساؤل جدي ، الحرب العادلة في الفقه السياسي تُبنى على الضرورة القصوى لا على حسابات النفوذ ، فالمفاوضات كانت قائمة ومُطمئنه الى حدٍ ما ، لكن أتخاذ القرار مصيري قد تأخد المنطقة والعالم الى مسار قد لا يُحمد عُقباه .؟
المنطقة اليوم أمام مُفترق طرق حقيقي ، الاستمرار في التصعيد سيحوّل أسبوع النار الأول إلى صراع طويل لا يمكن التنبؤ بمآلاته ، وقد يفتح الباب أمام تدخلات دولية أوسع تُعقّد المشهد أكثر ، أما العودة إلى مسار تفاوضي ، مهما بدا صعباً ، فتبقى أقل كُلفة من أختبار حدود القوة في إقليم مُثقل أصلاً بالأزمات .
ختاماً .. إن الدرس الأوضح بعد أيام من القتال هي أن القرارات الكُبرى التي تُتخذ تحت ضغط التحالفات أو الحسابات الشخصية قد تشعل حرباً ، لكنها لا تضمن إنهاءها ، والمسؤولية السياسية والأخلاقية اليوم تقتضي من جميع الأطراف ، وخصوصاً من بادر بأستخدام القوة ، الى إعادة النظر في مسار التصعيد قبل أن تتحول الحرب الظالمة إلى مأزق أستراتيجي شامل يدفع ثمنه الجميع …!




