قائد المقاومة ومُلهمها شهيداً..!
طه حسن الأركوازي ||

يُشكل رحيل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد” علي خامنئي ” ، حدثاً مفصلياً يتجاوز حدود دولة بعينها ليطال توازنات الإقليم والعالم برمّته ، نظراً للموقع الذي شغله الرجل في بُنية القرار السياسي والاستراتيجي منذ عقود ، فالرجل لم يكن مجرد رأس للنظام ، بل كان رمزاً لمرحلة كاملة من الصراع والتموضع ، وصانعاً لخطاب سياسي وأيديولوجي أثّر في معادلات القوة والتحالفات في الشرق الأوسط ،
ومن هنا ، فإن قراءة هذا الحدث لا ينبغي أن تقف عند حدود الرثاء أو الانفعال ، بل يجب أن تنفتح على تحليل تداعياته السياسية والاستراتيجية ، وما يمكن أن يتركه من آثار على توازن الردع ، وعلى مستقبل المنطقة ، وعلى واقع الدول المتأثرة مباشرة ، وفي مقدمتها العراق .
فمنذ تسلّمه موقع القيادة خلفاً للإمام روح الله الخميني( قدس ) ، أرتبط أسم السيد “خامنئي” بإعادة صياغة دور الدولة الإيرانية في مُحيطها ، عبر الجمع بين “الصلابة الأيديولوجية والبراغماتية السياسية” وقد نجح على مدى سنوات طويلة في تثبيت مُعادلة تقوم على توسيع النفوذ الإقليمي دون الانزلاق إلى مُواجهة شاملة ، وهو ما جعل حضوره عاملاً حاسماً في إدارة الأزمات ، من الحروب غير المُباشرة إلى المفاوضات المُعقدة ، لذلك فإن غيابه يفتح الباب أمام مرحلة أنتقالية دقيقة ومُعقدة داخل مؤسسات الدولة في إيران ، حيث سيُعاد أختبار تماسك البُنية المُؤسسية وقدرتها على إنتاج قيادة تُحافظ على أستمرارية النهج ، أو تعيد صياغته بما يتلاءم مع المتغيرات.
على المستوى الإقليمي ، من المتوقع أن يُعاد رسم خطوط الاشتباك السياسي والعسكري في ضوء هذا التحول ، إذ إن شخصية المُرشد كانت تُمثّل نقطة ارتكاز في منظومة الردع. وبالتالي فإن أي فراغ أو إعادة تموضع داخل دوائر القرار قد يدفع الأطراف المُختلفة إلى أختبار حدود المرحلة الجديدة ، سواء عبر التصعيد أو عبر فتح مسارات تفاوضية جديدة ،
وفي هذا السياق ، ستبقى قضية فلسطين التي شكّلت محوراً مركزياً في خطاب طهران ، أحد أبرز الملفات التي ستُستخدم لقياس أتجاهات السياسة الإيرانية المُقبلة ، ومدى أستمرارها في النهج نفسه أو أنتقالها إلى مُقاربة أكثر براغماتية .
أما داخلياً ، فإن اللحظة الراهنة تمثل أختباراً حقيقياً لقوة المؤسسات ، وهو ما سيحدد ما إذا كانت الدولة قادرة على إدارة أنتقال السُلطة بسلاسة ، أم أن التباينات السياسية ستظهر إلى العلن ، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن متانة النظام المُؤسسي في أيران تُعد العامل الحاسم من منع الاضطراب لا قوة الفرد مهما بلغ تأثيره . ومن هنا ، فإن ما ستشهده المرحلة المُقبلة في إيران لن يكون مُجرد تغيير في القيادة ، بل أختباراً لمدى رسوخ النموذج الذي تأسس خلال العقود الماضية .
أما بالنسبة إلى العراق ، فإن تداعيات هذا التحول لا يمكن فصلها عن واقعه السياسي والأمني ، نظراً لعمُق الترابط الجغرافي والسياسي بين البلدين ،
فالعراق لطالما تأثر بتوازنات العلاقة مع طهران ، سواء في ملف الأمن أو الاقتصاد أو التوازنات الداخلية ، ومن هنا فإن أي تغير في أولويات السياسة الإيرانية سينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على المشهد العراقي ، سواء من حيث طبيعة العلاقات الثنائية أو من حيث مُستوى التأثير في المعادلات الداخلية ، وهذا يفرض على صانع القرار في العراق قراءة التحولات بعين واقعية ، بعيداً عن الانفعالات أو الاصطفافات ، والعمل على بناء سياسة خارجية أكثر توازناً تستند إلى مبدأ المصالح الوطنية أولاً .
إن اللحظات التاريخية الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الحدث ، بل بقُدرة الدول على تحويلها إلى فرص لإعادة التوازن وإعادة التفكير في المسارات ، ورحيل شخصية بحجم السيد خامنئي يضع المنطقة أمام مُفترق طرق ، حيث يمكن أن يقود إلى مرحلة أكثر توتراً إذا أسيء تقدير التحولات ، أو إلى مرحلة إعادة ضبط للتوازنات إذا ما أُحسن التعامل معها سياسياً ودبلوماسياً .
وفي الخاتمة ، فإن غياب القادة الكبار ، مهما بلغ تأثيرهم ، يرسّخ حقيقة راسخة في علم السياسة مفادها أن الدول لا تُبنى على الأفراد بل على صلابة المؤسسات وأستمراريتها ،
ومن هذا المنطلق ، تبدو الرسالة الأوضح للطبقة السياسية في العراق ، أن استقرار الدول لا يتحقق عبر الرهان على التحولات الخارجية أو التعويل على شخصيات بعينها ، بل عبر بناء دولة مؤسسات قادرة على صون مصالحها في بيئة دولية شديدة التقلُب ،
فالتحولات الجارية تُظهر بوضوح أن منطق الحماية الدائمة وهمٌ سياسي ، إذ تتبدل الأولويات سريعاً في حسابات القوى الكبرى حسب حجم مصالحها ، كما يتجلى في سياسات الولايات المتحدة التي تُعيد تموضعها وفق مصالحها الاستراتيجية ، بما في ذلك تركيزها المتزايد على أمن إسرائيل ، وهو ما يفرض على دول الخليج والمنطقة قراءة الواقع بعيون المصالح لا بذاكرة التحالفات .
إن المرحلة المقبلة تتطلب خطاباً أكثر أتزاناً ، ورؤية واقعية تستند إلى تقدير دقيق لموازين القوة ، والابتعاد عن ردود الفعل الآنية التي تُبدّد الفرص وتُعمّق الهشاشة ، فالمنطقة تدخل طوراً جديداً لن يكون فيه موطئ قدم إلا للدول التي تمتلك وضوح الهدف ، وتماسك البُنية ، وحكمة القرار ، وقوة المؤسسات وهي معايير لا تُستورد من الخارج بل تُصنع داخلياً عبر إصلاح سياسي حقيقي وبناء مؤسسي مُستدام …!




