الخميس - 14 مايو 2026
منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

عادل الجبوري ||


ربما تكون الحروب والصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية الدائرة حاليا في امكان وبقاع مختلفة من الجغرافيا العالمية، هي الاوسع والأخطر والاكبر مقارنة بما حصل في مراحل وحقب زمنية سابقة، حتى تلك المراحل والحقب التي شهدت الحربين العالميتين، الأولى(1914-1918)، والثانية(1939-1945).

كانت مساحات وميادين وأدوات ووسائل واطراف الحروب العالمية والإقليمية السابقة، واضحة ومشخصة ومحددة تقريبا، ولم يكن صعبا وعسيرا الى حد كبير التنبوء بنهاياتها ونتائجها ومالاتها. بيد ان صورة مشهد اليوم اختلفت كثيرا. فمساحات وميادين الحروب لم تعد محصورة بجغرافيا معينة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، امتدت معركة “طوفان الأقصى” التي اندلعت بين الفلسطينيين والصهاينة في السابع من تشرين الأول-أكتوبر 2023، في قطاع غزة، الى قلب اوربا والولايات المتحدة الأميركية، وقارات ودول أخرى،

ولم يكن ممكنا حسمها عسكريا، رغم الفارق الشاسع بين إمكانات وقدرات حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) من جهة، والكيان الصهيوني ومن يقف معه ويسانده من قوى دولية كبرى، من جهة أخرى.

واذا كانت المدافع، والدبابات، والصواريخ محدودة المدى، والطائرات المقاتلة، هي ابرز وأهم اسلحة الحروب في السابق، فضلا عن الاعداد الكبيرة من الجنود والمرتب والضباط، فإن من يحسم ويحدد نتائج حروب وصراعات اليوم هي الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة، التي تتحكم بها وتوجهها عقول قليلة في اعدادها، بيد انها كبيرة جدا في تأثيرها وفعلها. ففي الماضي، كان الكيان الصهيوني يخطط لحسم أي معركة يخوضها ضد العرب في الميدان، لكن قواعد اللعبة تبدلت كثيرا الان، بعد ان امطرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذلك الكيان بعشرات او مئات الصواريخ الباليستية الموجهة بدقة الى أهدافها، وبقدر اقل فعل حزب الله اللبناني والمقاومة الفلسطينية.

ليس هذا فحسب، بل ان ثورة المعلومات والاتصالات، اوجدت بوتائرها المتسارعة،

أساليبا وادواتا اكثر فاعلية لادارة الحروب والمعارك والصراعات، دون ان يعني ذلك انها ليست سيئة ولا قذرة ولا أخلاقية.

والمفارقة في عالم اليوم، ان دولة عظمى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، قد تكون عاجزة عن تحقيق انتصار عسكري او سياسي حقيقي على منظمة-وليس دولة-لاتمتلك سوى إمكانيات وقدرات صغيرة، لايعتد بها وفقا للحسابات المادية والرقمية.

وهذا ما يبدو واضحا وجليا، حينما تتحاور واشنطن مع حركة حماس وتفاوضها، والتي كان مخططا انهائها وشطب اسمها من الوجود في معركة “طوفان الأقصى”، ويصدق الامر على حزب الله اللبناني، وعلى حركة انصار الله اليمنية، وغيرها.

والمفارقة أيضا، هي ان الولايات المتحدة الأميركية، تعيش هواجس القلق والانزعاج المزمن نتيجة عجزها عن كبح جماح منافسيها وخصومها العالميين، مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وايران.

ولاتقتصر حدود المفارقة عند ذلك، بل انها تمتد الى العجز الأميركي عن حسم الكثير من الملفات، رغم القدرات والتحشيدات العسكرية الهائلة في كل مكان.

وكما يقول البعض، “إن صعود القوى الناشئة يشكل تحديًا للبنية القائمة للسلطة السياسية والاقتصادية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.

وفي الشرق الأوسط، تجد الولايات المتحدة صعوبة متزايدة في السيطرة على القوى الإقليمية المختلفة. إن محاولاتها استخدام قوتها المهيمنة لتعزيز نفوذها تعمل- في الأساس- على تقويض البنية التي تسعى إلى الحفاظ عليها، كما يتجلى في فشل سياسة الولايات المتحدة في العراق، و”مبادرة الشرق الأوسط الكبير”.

لاشك ان مجمل مظاهر المعارك والصراعات والمواجهات الدائرة على المسرح الدولي العام، بإبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية والمخابراتية، وبأدواتها ووسائلها السيبرانية المتطورة للغاية، تشير وتثبت ان العالم دخل فعليا في أجواء ومناخات الحرب العالمية الثالثة، التي لم يعد منتظرا، اغتيال ولي عهد اوربي، كما سبق الحرب العالمية الأولى، او ان ينتهك هتلر جديد الخطوط الحمراء، كما سبق الحرب العالمية الثانية، لان ما حدث ويحدث اكبر واخطر من اغتيال شخصية ما، او قيام زعيم طامح ومتهور بخلط الأوراق والقفز على كل المعادلات والتوازنات.

وبصرف النظر عن اندلاع الحرب بين الجمهورية الاسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية، وبصرف النظر عن مالات الحرب الروسية-الأوكرانية، وبصرف النظر عن إمكانيات التوافق الأميركي-الصيني، فإن الأجواء العالمية ستبقى ملبدة بغيوم وسحب المعارك والحروب والمواجهات، ولن يتحول الخصوم والاعداء الى حلفاء وأصدقاء.

فالتنافس بمساحاته الدولية والإقليمية، يتسم بالتصاعد والاتساع والشراسة، ونقاط التوافق والالتقاء فيه اقل بكثير من نقاط التقاطع والصدام ، وحتى ما يتحدث ويتفاخر به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من نجاحه بأنهاء سبعة او ثمانية حروب، يبدو وكأنه مزحة ساذجة، لان واقع الحال يؤكد، ان لا حرب حتى الان انتهت ووضعت اوزارها بصورة فعلية، وما تحقق حتى الان، وما قد يتحقق لاحقا، ليس سوى تهدئات وقتية، وهدنات عابرة، واستراحات يرغب بها المتحاربون لالتقاط الانفاس. والعناوين والاسماء الكبيرة الجاذبة، مثل مجلس السلام (Board of peace)، لاتتعدى كونها استعراضات فارغة لايمكن ان تغطي على حقائق الواقع او تقفز عليها وتتجاهلها، وكما يقال، “ما نعيشه ليس سلاما هشا، بل هو حرب عالمية صامتة، أدواتها اقتصادية، وساحاتها سياسية، ونتائجها جيوسياسية، ووقودها دم الشعوب الضعيفة. والسؤال اليوم لم يعد: هل ستقع الحرب العالمية الثالثة؟..

بل، هل نحن بالفعل داخلها، دون أن نمتلك حتى شجاعة الاعتراف بذلك؟”.

واكثر من ذلك، فإن الجميع تقريبا، لاسيما من جعلتهم الجغرافيا عند تخوم المساحات الخطيرة الملتهبة، سواء في الشرق الأوسط، او اوربا، او اسيا، او افريقيا، وحتى اميركا اللاتينية، لايبحثون في كيفية تجنب الحرب، وانما في كيفية التقليل من خسائرها وتبعاتها واثارها عليهم الى اقصى قدر ممكن. ومن لن تصله وتطاله نيرانها العسكرية، فبالتأكيد سيحترق بألسنة نيرانها الاقتصادية، التي ربما تكون الأسوأ، والاشد وقعا وايلاما!.