الدولة حين تتجذر في مؤسساتها: قِراءة في التجربة الإيرانية بين التماسك المُجتمعي وصلابة البُنيان..!
طه حسن الأركوازي ||

حين تُختبر الدول في لحظات الاضطراب لا يكون السؤال الحقيقي عن حجم التحدي بقدر ما يكون عن قُدرة النظام المُؤسسي على أستيعابه ، فالأزمات بطبيعتها جُزء من مسار الدول ، لكن الفارق الجوهري يكمن في كيفية إدارتها وتحويلها من تهديد إلى أختبارٍ يُعيد تثبيت الشرعية وتعزيز الثقة ،
وفي هذا السياق تُقدم تجربة الدولة في “إيران” بوصفها أنموذجاً يثير أهتمام كثير من الباحثين والمُفكرين في علم السياسة المُقارن ، لما تعكسه من تفاعل مُعقد بين البنُية المُؤسسية والهوية المجتمعية .
لقد أظهرت محطات التوتر الداخلي خلال السنوات الأخيرة أن المجتمعات التي تمتلك رابطاً قوياً بهويتها الوطنية تكون أكثر ميلاً إلى حماية أستقرارها حين تشعر بأن مسار الأحداث قد ينحرف عن طبيعته المطلبية إلى مسارات أخُرى أكثر تعقيداً ، هذا السلوك لا يرتبط فقط بالمواقف السياسية ، بل يعكس ما يُسميه علماء الاجتماع السياسي «رأس المال الرمزي للدولة» أي مقدار الثقة المُتراكمة في مُؤسساتها وقُدرتها على تمثيل الاستمرارية التاريخية للنظام العام .
إن قوة أي دولة لا تُقاس بغياب الاحتجاجات ، لأن الاحتجاج بحد ذاته ظاهرة دستورية طبيعية في المُجتمعات الحية ، بل تُقاس بمدى مرونة مُؤسساتها وقدرتها على إدارة التباين الاجتماعي ضمن إطار القانون ،
وهنا تتجلى الفكرة التي طالما أكدتها الأدبيات السياسية الحديثة : “الدول ذات البُنية المُؤسسية المُتماسكة تستطيع أمتصاص الصدمات عبر آليات داخلية ، من دون أن تنزلق إلى الفوضى أو الانقسام الحاد .؟
هذا المعنى يجد جذوره أيضاً في التُراث الإسلامي الذي ربط بين الاستقرار والعدل المُؤسسي ، فقد ورد عن النبي محمد ( ص ) :
« إن الله يحبُ إذا عمل أحدُكم عملاً أن يتقنه » ،
وهو مبدأ يُستدل به على أن الإتقان في إدارة الشأن العام أساسٌ في صيانة المجتمع ، وكما نُقل عن الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) قوله في نهج البلاغة : « قِوام الرعية بالعدل » ، وهي عبارة تختصر فلسفة الدولة المُؤسسية التي تقوم على توازن السلطة والمسؤولية .
ومن منظور فكري معاصر ، يشير عدد من المُفكرين والباحثين إلى أن تماسك الدولة يرتبط بثلاثة عناصر مترابطة :
“الشرعية السياسية ، والكفاءة الإدارية ، والاندماج المجتمعي” ، وعندما تتوافر هذه العناصر ضمن إطار مُؤسسي واضح ، تصبح الدولة أكثر قُدرة على تجاوز الأزمات ، لأن المُجتمع لا يرى في الاضطراب فرصة للانقسام بل حافزاً لإعادة الاصطفاف حول فكرة الاستقرار .
ولا يمكن فهم هذه المُعادلة من دون إدراك دور الثقافة السياسية في تشكيل سلوك الجماعات ، فالثقافة التي تعلي من قيمة الدولة بوصفها مظلة جامعة ، تميل إلى تحويل لحظات التوتر إلى مساحة لإعادة تأكيد الهوية الوطنية ، وهو ما يفسر ظاهرة المشاركة في الفعاليات المؤيدة للاستقرار خلال بعض الفترات الحساسة ، هذه المُشاركة لا تُقرأ فقط بوصفها موقفاً سياسياً ، بل بأعتبارها تعبيراً عن تصور راسخ لدور الدولة في حفظ التوازن العام .
ويعزز هذا الفهم ما ذهب إليه عدد من المفكرين المسلمين الذين ربطوا بين قوة الدولة ووحدة المجتمع ، فقد كتب المفكر محمد باقر الصدر ( قدس ) « المجتمع الذي يمتلك رؤية مُشتركة حول نظامه العام يكون أكثر قُدرة على الصمود أمام الأزمات » وهي فكرة تتقاطع مع نظريات حديثة في علم الاجتماع السياسي حول مفهوم “التماسك القيمي “ودوره في أستقرار الأنظمة .
إن التجربة المؤسسية في أي بلد لا يمكن أختزالها في حدث واحد ، لكنها تُقرأ عبر تراكمات زمنية تُظهر كيف تتفاعل الدولة مع الضغوط الداخلية والخارجية ، وعندما تتمكن المُؤسسات من الحفاظ على أستمرارية الأداء ، وتقديم نفسها كإطار جامع ، فإنها تُعزز ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ«الشرعية الوظيفية»، أي الشرعية القائمة على القدرة على الإنجاز وإدارة التعقيد .
وفي الخلاصة .. إن مناعة الدول لا تُقاس بمدى هدوء سطحها السياسي ، بل بعمُق بنُيتها المُؤسسية وقدرتها على أستيعاب التباين الاجتماعي ضمن منظومة قانونية مُستقرة .
التجارب التي تُظهر قدرة على أمتصاص الأزمات وإعادة إنتاج الاستقرار ، تقدم اليوم درساً مُهماً في أن الدولة حين تستند إلى مُؤسسات راسخة ، وثقافة مُجتمعية مُتماسكة تصبح أكثر قابلية للأستمرار مهما تعددت التحديات ،
وهنا تتجلى الحقيقة التي أتفقت عليها الخبرات التاريخية هي : إن الاستقرار ليس غياب العواصف ، بل أمتلاك السفينة ما يكفي من صلابة لتواصل الإبحار بثقة نحو المستقبل …!




