زلزال الرادارات: الخليج بين مطرقة التصعيد وسيناريو الانكشاف الاستراتيجي..!
طه حسن الأركوازي ||

شهدت منطقة الشرق الأوسط في الساعات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في قواعد الاشتباك التقليدية ، حيث أنتقل الصراع من مرحلة “الوكالة” والمناوشات الحدودية إلى أستهداف مُباشر لعمود الخيمة الأمنية الأمريكية في المنطقة .؟
إن التقارير الواردة حول خروج رادار الإنذار المبكر الاستراتيجي bm{AN/FPS-132} في قاعدة “العديد” عن الخدمة بعد أستهدافه من بصواريخ ومسيرات ايرانية لا تمثل مُجرد واقعة عسكرية عابرة ، بل هي إعلان عن تدشين حقبة “الإعماء التكتيكي” التي قد تُعيد رسم خارطة النفوذ وتوازن القوى في الخليج العربي .
هذا التطور يضع النظام الإقليمي بأسره أمام تساؤلات وجودية حول قدرة المظلات الدفاعية التقليدية على الصمود أمام تكنولوجيا الصواريخ والمسيّرات الأيرانية الحديثة ، في ظل تصعيد غير مسبوق يُهدد بخنق شرايين الطاقة العالمية .
بالنظر إلى القيمة الاستراتيجية والتقنية لهذا النظام الراداري ، نجد أننا نتحدث عن العين التي لا تنام ، إذ يعد رادار bm{FPS-132} جُزءاً حيوياً من شبكة الدفاع الصاروخي العالمية ، بقدرات رصد تصل إلى حوالي 5000 كيلومتر ، مما يجعله المسؤول الأول عن تعقب المقذوفات الباليستية العابرة للقارات والإنذار المبكر للهجمات الجوية .
إن أستهداف مثل هذا المرفق السيادي الذي تتجاوز كُلفته المليار دولار ، يعني بالضرورة إحداث فجوة أمنية هائلة في منظومة القيادة والسيطرة المركزية الأمريكية ، هذا الاختراق لا يضع القواعد العسكرية ، والقطع البحرية في مرمى النيران فحسب ، بل يسلب القوى المُتواجدة في المنطقة ميزة “الردع الوقائي”، ويحول الصراع إلى مُواجهة عمياء تُزيد من أحتمالات الخطأ والحسابات الخاطئة التي قد تفضي إلى حرب شاملة لا تبقي ولا تذر .
على الصعيد الجيوسياسي ، تتجاوز الرسائل الميدانية حدود الموقع الجغرافي للاستهداف ، فإعلان طهران عن توسيع بنك أهدافها ليشمل “المقار السرية” والتحذير الموجه للمدنيين بالأبتعاد عن المُنشآت العسكرية ، يعكس ثقة مُتزايدة في القدرة على الوصول إلى عمق الحماية الأمريكية .
هذا التصعيد قد أقترن بقرار أستراتيجي لا يقل خطورة ، وهو ما ورد بشأن إغلاق مضيق هرمز . إن وضع “القفل والمفتاح” على هذا الشريان المائي الذي يمر عبره نحو خُمس أستهلاك النفط العالمي ، يمثل عملية “خنق أقتصادي” مُوجهة للمُجتمع الدولي بأسره وليس لواشنطن فقط .
إن إغلاق المضيق يعني بالضرورة قفزة جنونية في أسعار الطاقة ، مما سيجبر القوى الكُبرى في أوروبا وآسيا على التدخل سواء عبر الدبلوماسية المكوكية الضاغطة أو عبر الانخراط في تحالفات عسكرية لحماية حرية الملاحة ، وهو ما ينذر بتدويل الصراع وتحويل الخليج إلى ساحة تصفية حسابات دولية كبرى .
وفي قلب هذا الإعصار ، يبرز العراق كحلقة الوصل الأكثر حرجاً وحساسية في المعادلة الإقليمية .
إن الجغرافيا السياسية للعراق تضعه في “عين العاصفة”، حيث يتداخل فيه النفوذ الإقليمي مع الوجود العسكري الدولي ، وإن أي أضطراب في موازين القوى بين “واشنطن وطهران” يُترجم فوراً إلى ضغوط أمنية وسياسية داخل الساحة العراقية ، ومع أنسداد أفُق الحلول الدبلوماسية في الخليج ، يجد العراق نفسه أمام تحدي الحفاظ على سيادته ، ومنع تحويل أراضيه إلى منطلق للهجمات أو ساحة للردود المتقابلة .
إن الانكشاف الاستراتيجي الذي قد تُعاني منه المنطقة جراء تعطيل أنظمة الإنذار المبكر ، يفرض على بغداد تعزيز جهودها الدبلوماسية الاستباقية للنأي بنفسها عن سياسة المحاور ، وتأمين جبهتها الداخلية من أرتدادات الصراع الذي قد يتخذ طابعاً أستنزافياً طويلاً .
ختاماً ، إن اللحظة الراهنة تتطلب من الطبقة السياسية وصناع القرار في المنطقة ، وفي العراق على وجه الخصوص ، قراءة المشهد بعيداً عن العواطف الأيديولوجية أو الرهانات الخاسرة على طرف دون آخر ، إن سياسة “حافة الهاوية” التي تدار بها الأزمة الحالية قد تنزلق في أي لحظة نحو صدام مباشر لا يمكن أحتواؤه .
لذا ، تقتضي الحكمة الدبلوماسية المُبادرة إلى خلق قنوات أتصال خلفية لتهدئة الأوضاع ، والعمل على صياغة ميثاق أمن إقليمي جديد يعترف بالمصالح المُتبادلة ويُحيد الممرات المائية والمنشآت الحيوية عن الصراعات المسلحة .
إن النصيحة المُخلصة للفاعلين السياسيين هي أن القوة العسكرية ، مهما بلغت دقتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الاستقرار المُستدام الذي تبنيه التوافقات السياسية ، فالتاريخ يُعلمنا أن الحروب التي تبدأ بـ”إعماء” الرادارات ، غالباً ما تنتهي بـ”عمى” سياسي يقود الشعوب نحو كوارث أقتصادية وأجتماعية لا يمكن جبر أضرارها لعقود طويلة .
إن العراق ، بمركزيته التاريخية والجغرافية ، مدعو اليوم ليكون جسراً للتهدئة لا ساحة للاشتعال ، وهو ما يتطلب وحدة في الموقف الوطني ورؤية أستراتيجية ثاقبة تستبق الأحداث قبل وقوعها …!




