الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 4 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||


الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

لقد كان التاريخ يُكتب بيد المتملّقين من غِمار الناس ويخطّونه خدمة لأغراض الطغاة ، فأستبيح الكثير من الحقائق وزوّرت الكثير غيرها حتى اشتبه الأمر وأصبحت الأكاذيب كأنّها وقائع تاريخية ، وهي من السوء بحيث إذا ما إنكشفت الحقائق العلمية – كما اليوم – ، أثار دهشة الجميع واستغرابهم .. ومن تلك الحقائق هو إقتران النبي الأعظم (ص) بأم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى (ع) ، بل وطيلة حياتها الشريفة .

فقد كان هذا الزواج يدخل في خانة السياسة أكثر مما يدخل في خانة الاقتران بين شخص عظيم كالنبي الكريم (ص) وامرأة تناسبه في حمل الرسالة الإسلامية إلى العالم أجمع .

فكانت النتيجة واضحة فيما بعد .. حرق بيت فاطمة (ع) بحجة فدك .. قتال الإمام علي (ع) بحجة الضلالة .. وسمّ الحسن (ع) بحجة الصلح مع معاوية .. وشهادة الحسين (ع) بحجة الخروج على الحاكم .

ولدت السيدة خديجة بنت خويلد في مدينة مكة المكرمة ، خمسة عشر عاماً قبل عام الفيل ، أي ثمانیة وستين عاماً قبل الهجرة النبوية الشريفة . ووالدها هو “خويلد” بن اسد بن عبد العزى بن قصي . وكان جدها أسد بن عبد العزى احد كبار الموقعين على حلف الفضول . اما جد خويلد الرابع فهو “قصي بن كلاب” والذي كان جد رسول الله (ص) ايضاً . وكان عبد العزى جد خويلد وعبد مناف ، جد النبي (ص) اخوين وكان أبوهما قصي بن كلاب ، مما يؤكد ان الرسول الأعظم (ص) والسيدة خديجة الكبرى ، كانا من قبيلة قريش وتربطهما قرابة قريبة من ناحية الأنساب .

إذن ، فهذه السيّدة العظيمة خديجة الكبرى (ع) تنتسب إلى قبيلة قريش ، ويلتقي نسبها بنسب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) عند جدّها الثالث من أبيها ، وعند جدّها الثامن من أمّها .

حضر مراسيم خِطبة وزواج خديجة (ع) ، أبو طالب (ع) وكان أول المتكلمين إذ ألقى خطبة ذكر فيها عظمة منزلة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) وشرفه وفضله ، ثمّ خطب خديجة للنبي من والدها خويلد ، الذي خيّرها ، بعدها استأذنت خديجة عمّها «عمرو بن أسد» كبير قومه ، فأعلنت موافقتها وقالت بأنّ مهرها سيكون من مالها .

ثم قام عمّها فخطب في الحاضرين خطبة بليغة ختمها بقوله : زوّجناها ورضينا به . بعد ذلك أعلنها على الملأ بكل صراحة : من ذا الذي في الناس مثل محمد .

وقال خويلد في مراسيم الخطبة : يا معشر العرب ، لم تظلّ السماء ولم تقلّ الأرض رجلاً أفضل من محمد ، فاشهدوا أنّي أنكحته ابنتي وأنّي لأفخر بهذا الارتباط المقدّس .
بعد ذلك أرسلت السيّدة خديجة (ع) إلى أبي طالب أموالاً وأغناماً وقوارير العطور وأنواع اللباس ليعدّ لوليمة العرس .

ولم يألُ أبو طالب (ع) جهداً في التحضير لأعظم مأدبة ، حيث أطعم أهالي مكة وأطرافها لثلاثة أيام متتالية . وكانت أول وليمة يعدّها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) .

وتشرح السيّدة خديجة (ع) سبب اختيارها الزواج من النبي الأعظم (ص) بالقول : «يا بن عمّ إنّي رغبت فيك لقرابتك منّي وشرفك من قومك وأمانتك عندهم وصدق حديثك وحسن خلقك» .

كما أفشت بسرّ هذا الاختيار إلى صفيّة بقولها : «إنّي قد علمت أنّه مؤيّد من ربّ العالمين» .

لقد استشارت السيّدة خديجة (ع) سيّدة أخرى جليلة في هذا الأمر حتى ذهبت بمعيّتها إلى الرسول الكريم (ص) وعرضت عليه الزواج قائلة : لقد اخترت لك امرأة من قريش ، فأجاب الرسول العظيم : ومن تكون ؟ فقالت السيّدة خديجة : هي مملوكتك خديجة .

وفي إحدى الحملات الوحشية لقريش انتشرت إشاعة اغتيال النبي الكريم (ص) ، فهامت السيّدة خديجة (ع) على وجهها في الوديان والصحاري المحيطة بمكة بحثاً عن حبيبها ، وكانت الدموع تنهمر على خديها ، فما كان من جبريل إلا أن نزل على الرسول الأكرم وقال له : لقد ضجّت ملائكة السماء لبكاء خديجة (ع) ، أُدعُها إليك وأبلغها سلامي وقل لها بأنّ ربّها يقرؤها السلام ويبشّرها بقصر في الجنة ، لا صخب فيه ولا نصب .

اتّفق جميع المؤرخين أنّها كانت من أجمل بنات الحجاز . والإمام الحسن المجتبى (ع) الذي كان آية في الجمال كان يعتبر نفسه أشبه أهل البيت بأمّه خديجة الكبرى (ع) .

وسئل عبد الله المحض والد ذي النفس الزكية : من أين لأسنان الإمام الصادق (ع) هذا الجمال والنصاعة والتألق بحيث أنّها تجذب كل من رآها ؟ فأجاب قائلاً : لا علم لي ، ولكن أعلم بأنّ خديجة (ع) كانت كذلك ، وأنّ الزهراء (ع) ورثت عن أمّها ذلك الجمال والتألّق .

كان الإمام علي (ع) منذ سنينه الستّ في بيت النبي وتحت ناظري السيّدة خديجة (ع) ورعايتها ، لذلك كان لها حقّ في رقبته هو حقّ الأمومة . وعندما شرح الرسول الكريم (ص) لزوجه مفهوم الولاية وموقعها السامي ، وطلب إليها أن تؤمن بولاية أمير المؤمنين علي (ع) استجابت فوراً حيث قالت بصراحة ووضوح : آمنت بولاية علي وبايعته.

كانت السيدة خديجة (ع) تفيض بالحنان والعطف على الإمام (ع) لدرجة أنّها قالت فيه : إنّه أخي وأخو النبي ، أعزّ الناس إليه ، وقرّة عين خديجة (ع) .

نجد الرسول (ص) يخاطب ابنته الأثيرة على قلبه الزهراء البتول (ع) بقوله : يا ابنتي ، إنّ الله تعالى جعل خديجة وعاء لنور الإمامة .

رويت عن الرسول الأكرم (ص) أحاديث كثيرة في مناقب السيّدة خديجة (ع) منها :
* يا خديجة إنّ الله – عزّوجلّ – ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مراراً .

* والله ما أبدلني الله خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدَّقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس .

* خير نساء العالمين : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (ص) .

* خير نساء الجنة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم (امرأة فرعون) .

* خديجة سبقت جميع نساء العالمين بالإيمان بالله وبرسوله .

* أحببتها من أعماق فؤادي .

* أحبُّ من يحبّ خديجة .

* لم يرزقني الله زوجة أفضل من خديجة أبداً .

* لقد اصطفى الله عليّاً والحسن والحسين وحمزة وجعفر وفاطمة وخديجة على العالمين .

لقد كانت السيّدة خديجة (ع) على دين أبيها إبراهيم (ع) وذلك قبل أن يُبعث الرسول الكريم (ص) ، وكانوا يُعرفون بالحنفاء ، وقد آمنت في اليوم الأول من بعثة المصطفى (ص) ، كما جاء في الحديث الشريف : أوّل من آمن بالنبي (ص) من الرجال علي (ع) ومن النساء خديجة (ع) .

والسيدة خديجة أم المؤمنين تُعدُّ أول سيّدة مسلمة تأكل من فاكهة الجنّة حيث ناولها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بيده الشريفة عنقوداً من عنب الجنّة .

لقد كانت السيّدة خديجة (ع) طيلة ربع قرن نجماً ساطعاً يشعّ بنوره على بيت النبوة والرسالة ويطلّ بشعاعه على حضن الإمامة والولاية .. تُجلي بنظراتها الحانية الهمّ والشجن عن نبي الرحمة (ص) ، حتى حان موعدها مع القدر في العاشر من شهر رمضان في السنة العاشرة من البعثة عندما أسلمت الروح لبارئها وكان ذلك في السنة الثالثة قبل الهجرة ودفنت في الحجون ، حيث دخل النبي (ص) قبرها ووضعها في لحدها بيديه الشريفتين .

ولقد أوصت السيّدة خديجة (ع) النبي الكريم عدّة وصايا وهي على فراش الموت :
أن يدعو لها بالخير ، وأن يلحدها بيده ، وأن يدخل قبرها قبل دفنها ، وأن يضع مرطه الذي ادّثر به عند نزول الوحي ، على كفنها .

عجيب أمر هذه السيّدة الجليلة التي وهبت كل ثروتها وأموالها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، لم تطلب في مقابل ذلك سوى مرط ، ومع ذلك فهي لم تطلبه منه مباشرة ، بل بواسطة ابنتها الزهراء (ع) .

حينذاك نزل الوحي من عند الله العلي القدير بكفن من الجنّة .
فقامت أمّ أيمن وأم الفضل (زوجة العباس) بغسل جسد السيّدة خديجة (ع) ثم ألقتا عليها نظرة الوداع الأخيرة .

في البداية قام الرسول الأكرم بوضع مرطه على الكفن ، ثمّ وضع كفن الجنة عليها .
كانت السيّدة خديجة (ع) في الرمق الأخير من عمرها تنظر بقلق إلى ابنتها الزهراء (ع) ، فما كان من أسماء بنت عميس إلا أن تعهّدت لها بأن تكون أمّاً لها ليلة زفافها .

بعد وفاة السيّدة خديجة (ع) أصبح منزلها أحد الأماكن المقدسة التي يؤمّها آلاف الحجاج سنوياً ، يقول الرحالة المسلم المشهور ابن بطوطة : من المشاهد المشرّفة التي تقع على مقربة من المسجد «قبة الوحي» وهو منزل أم المؤمنين خديجة .
يقول الشيخ الأنصاري في كتابه مناسك الحج : إذا نزلت مكة المكرمة ، يستحبّ للحاج أن يزور بيت خديجة (ع) .

ولكن للأسف الشديد لم تترك الفرقة الوهابية الضالة قبة الوحي فقد امتدّت إليها بالتخريب والتدمير كما هو شأن باقي الآثار الإسلامية وسوّتها بالأرض .

على أمل أن يأتي ذلك اليوم الذي يظهر فيه المُنجي الموعود ليسترجع ما ضاع من حقوق آل النبي ، وأن يُعيد شأن العترة الطاهرة أمام أعين العالمين قاطبة ، إن شاء الله.

اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا اُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا زَوْجَةَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا اُمَّ فاطِمَةَ الزَّهْراءِ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمِينَ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا أَوَّلَ الْمُؤْمِناتِ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا مَنْ أَنْفَقَتْ مالَها فِي نُصْرَةِ سَيِّدِ الاْنْبِياءِ ، وَنَصَرَتْهُ مَا اسْتَطاعَتْ وَدافَعَتْ عَنْهُ الاْعْداءَ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا مَنْ سَلَّمَ عَلَيْها جَبْرَئيلُ ، وَبلَّغَهَا السَّلامَ مِنَ اللهِ الْجَلِيلِ ، فَهَنِيئاً لَكِ بِما أَوْلاكِ اللهُ مِنْ فَضْل ، وَالسَّلامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ .