المحاصصة وإشكالية الشرعية السياسية..!
طه حسن الأركوازي ||

يشكّل النقاش حول طبيعة النظام السياسي في العراق أحد أكثر الملفات حضوراً في المجال العام ، لا سيما عندما يتقاطع مع قضية الفساد وحدود المساءلة المؤسسية ، فمع مرور أكثر من عقدين على تجربة ما بعد التغيير ، لم يعد الحديث يقتصر على تقييم الأداء الحكومي أو النتائج الاقتصادية ، بل أتسع ليشمل البُنية التي يقوم عليها النظام نفسه ، وما إذا كانت آليات تقاسم السلطة قد تحولت من إطار لإدارة التوازنات إلى عامل يُقيد فاعلية الدولة ويضعف ثقة المجتمع بمؤسساتها ، ويأتي هذا النقاش في سياق بحث أوسع عن نموذج حكُم قادر على تحقيق الاستقرار السياسي دون أن يكون ذلك على حساب الكفاءة أو العدالة .
من الناحية التاريخية ، نشأت صيغة تقاسم السلطة بأعتبارها أستجابة لواقع أجتماعي وسياسي مُعقد هدفها تقليل أحتمالات الإقصاء وتوفير شعور بالمشاركة لدى مختلف المكونات ، وقد أدت هذه الصيغة دوراً مهماً في مرحلة أتسمت بالحساسية العالية ، وانعدام الثقة ، إذ ساهمت في تخفيف التوترات ووفرت مظلة توافقية لإدارة الدولة ، غير أن الإشكالية بدأت عندما ترسخت هذه الآلية بوصفها قاعدة دائمة بدلاً من كونها ترتيباً أنتقالياً ، فأنتقل التركيز تدريجياً من بناء مؤسسات قوية إلى إدارة توازنات سياسية ، وهو ما أضعف منطق الدولة الحديثة القائم على المهنية والاختصاص .
في هذا الإطار ، تبدو العلاقة بين المحاصصة وضعف المساءلة علاقة بنيوية أكثر منها عرضية ، فعندما تتوزع الصلاحيات وفق أعتبارات سياسية ، تتعدد مراكز القرار وتتداخل المسؤوليات ما يجعل عملية المُحاسبة أكثر تعقيداً ، وأقل وضوحاً ، هذا التداخل يخلق بيئة قد تتراجع فيها فعالية الرقابة المؤسسية ، ليس بالضرورة بسبب غياب النصوص القانونية ، بل نتيجة صعوبة تطبيقها ضمن منظومة تتوزع فيها الولاءات ، وتتشابك المصالح ومع الوقت ، ينعكس ذلك على الإدراك العام للعدالة ، حيث يتعزز الشعور بأن تطبيق القانون لا يسير دائماً بالوتيرة نفسها على الجميع ،
ولا تقتصر تداعيات هذا النمط على الجانب الإداري ، بل تمتد إلى البُعد الاجتماعي ، إذ تتأثر علاقة المواطن بالدولة بمدى شعوره بوجود تكافؤ في الفرص وعدالة ووضوح في قواعد المساءلة . فكُلما أتسعت الفجوة بين الأداء المؤسسي وتوقعات المجتمع ، تراجعت مستويات الثقة ، وهو عامل حاسم في أستقرار أي نظام سياسي ، لذلك فإن النقاش حول تطوير نموذج الحكم لا يرتبط فقط بمُكافحة الفساد ، بل أيضاً بإعادة بناء الثقة العامة وتعزيز الإحساس بالمواطنة المتساوية .
إقليمياً ، يأتي هذا الجدل في ظل بيئة تتسم بتحديات اقتصادية وأمنية مُتزايدة ، حيث أصبحت كفاءة الإدارة العامة عاملاً أساسياً في قُدرة الدول على التكيف مع المُتغيرات ، وجذب الاستثمارات ، وتعزيز حضورها الإقليمي ، وفي هذا السياق يكتسب أي مسار إصلاحي في العراق أهمية مُضاعفة لأنه لا يرتبط بالشأن الداخلي فحسب ، بل يؤثر أيضاً في موقع البلاد ضمن توازنات المنطقة ،
\ومن هنا فإن مُراجعة تجربة تقاسم السلطة تبدو خطوة طبيعية في سياق تطور الأنظمة السياسية ، وليست بالضرورة حُكماً سلبياً على المرحلة السابقة بقدر ما هي محاولة للبناء عليها وتجاوز أختلالاتها .
ومن منظور أستشرافي ، يبدو أن الطريق الأكثر واقعية يكمن في الإصلاح التدريجي الذي يُعزز منطق الدولة المهنية دون إحداث قطيعة مفاجئة مع التوازنات القائمة ، ويتحقق ذلك عبر توسيع دور الكفاءات المُتخصصة في الإدارة العامة ، وتفعيل آليات الشفافية ، وتقوية أستقلال المُؤسسات الرقابية بما يضمن وضوح المسؤوليات وربطها بمعايير الأداء ، فالتجارب المُقارنة تشير إلى أن الإصلاح التراكُمي يحقق نتائج أكثر أستدامة لأنه يسمح بإعادة تشكيل الثقافة المُؤسسية تدريجياً ، ويمنح الفاعلين السياسيين فرصة التكيف مع قواعد جديدة .
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في توصيف المُحاصصة بقدر ما يكمن في كيفية تطوير النظام السياسي ليجمع بين التمثيل الفاعل والكفاءة المؤسسية ، فالمرحلة الراهنة تُوفر فرصة لإعادة التفكير في أولويات الحكم ، والانتقال من إدارة التوازنات إلى ترسيخ دولة المُؤسسات ، حيث تكون الوظيفة العامة مسؤولية مهنية قبل أن تكون أستحقاقاً سياسياً ، وهذا التحول إذا ما تم بروح توافقية ، يمكن أن يُشكل خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار وترسيخ سيادة القانون .
أخيراً وليس آخراً .. يظل مُستقبل الدولة في العراق مُرتبطاً بقدرتها على تحويل الوعي بالتحديات إلى سياسات إصلاحية عملية تُعيد التوازن بين الشرعية السياسية وفاعلية الأداء ، فالطبقة السياسية تمتلك اليوم فرصة لإطلاق مسار تطوير مؤسسي يعزز الثقة العامة ويؤسس لمرحلة يكون فيها معيار النجاح هو جودة الإدارة وخدمة المواطن ، ومثل هذا المسار إذا ما أُدير بحكمة وتدرّج كفيل بأن يفتح أُفقاً أكثر أستقراراً وعدالة ، ويمنح التجربة السياسية قدرة أكبر على الاستجابة لتطلعات المجتمع ومتطلبات المرحلة المقبلة …!




