الجمعة - 15 مايو 2026

جنيف (3) بين التقدّم الدبلوماسي ورسائل الردع العسكري..!

منذ 3 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

في تطوّر لافت على مسار التفاوض غير المباشر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي من مدينة جنيف أن الجولة الثالثة من المباحثات كانت “أفضل الجولات وأكثرها جدية”، وواحدة من أطول الجولات التفاوضية منذ انطلاق المسار الحالي، ما يعكس – بحسب وصفه – انتقال الحوار إلى مرحلة أكثر عمقاً وتركيزاً على التفاصيل التقنية والسياسية.

جدية غير مسبوقة ومسار تقني موازٍ

تصريحات عراقتشي أكدت أن الطرفين اتفقا على مواصلة المباحثات، مع احتمال عقد جولة جديدة الأسبوع المقبل، بالتوازي مع انطلاق نقاشات فنية في فيينا بمشاركة خبراء، وذلك للتوصل إلى إطار عمل واضح في القضايا التقنية المرتبطة بالملف النووي ورفع العقوبات.

كما أشار إلى التواصل مع خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في إشارة إلى أهمية البعد الرقابي والفني في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع حضور مديرها العام رافاييل غروسي، الذي وصف حضوره بأنه “جيد من الناحية الفنية”، حيث تم الدخول في مرحلة بحث عناصر الاتفاق وآليات رفع العقوبات.

هذه المؤشرات تعكس – وفق القراءة الإيرانية – تقدماً في بعض الملفات، سواء في ما يتعلق بالعقوبات أو بالبرنامج النووي، مع الإقرار بأن بعض القضايا لا تزال محل خلاف، فيما تم الاقتراب “جداً” من التفاهم في قضايا أخرى.

العقوبات في قلب الجولة الرابعة

أحد أبرز محاور الجولة المقبلة سيكون ملف العقوبات، حيث شدد عراقتشي على ضرورة توضيح ما يجب أن يتحقق من وجهة نظر طهران، ما يعني أن إيران تضع رفعاً عملياً وملموساً للعقوبات في صلب أي تفاهم محتمل، وليس مجرد تعهدات سياسية.

التحضير للجولة الرابعة سيتضمن إعداد وثائق لازمة وإجراء مشاورات في العواصم، وهو ما يدل على انتقال المفاوضات من مرحلة تبادل الطروحات العامة إلى مرحلة صياغة نصوص وأطر قانونية، وهي عادة المرحلة الأكثر حساسية في أي اتفاق دولي.

رسائل موازية من المؤسسة العسكرية

وفي موازاة الانفتاح الدبلوماسي، صدرت تصريحات حازمة عن متحدث القوات المسلحة الإيرانية، أكد فيها أن أي خطوة استفزازية من الجانب الأمريكي ستُواجَه برد حاسم، وأن المصالح الأمريكية في المنطقة “في مرمى النيران” في حال ارتكاب أي حماقة.

هذا التوازي بين التفاوض والتحذير يعكس ثنائية ثابتة في المقاربة الإيرانية: الانخراط الجاد في مسار سياسي، مع إبقاء معادلة الردع قائمة. وهي رسالة مفادها أن طهران لا ترى في التفاوض بديلاً عن عناصر القوة، بل مساراً مكملاً لها.

بين الحل السياسي وخيار التصعيد

المشهد الحالي يوحي بأن الطرفين يدركان كلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي. لذلك تبدو الجدية – كما وصفها عراقتشي – محاولة لاقتناص فرصة سياسية قد لا تتكرر بسهولة.

لكن في المقابل، فإن استمرار بعض نقاط الخلاف، خصوصاً في ما يتعلق بآليات رفع العقوبات وضمانات التنفيذ، يعني أن الطريق لا يزال مليئاً بالعقبات. فالاتفاق لن يكون سهلاً، كما أن فشله قد يعيد المنطقة إلى مربع التصعيد.

خلاصة المشهد

ما يجري اليوم في جنيف وفيينا ليس مجرد جولات تفاوض روتينية، بل اختبار حقيقي لإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية متوازنة.

إيران تقول إنها منفتحة على الحل، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن أمنها ومصالحها خط أحمر.

وبين دبلوماسية الطاولة ورسائل الميدان، تتشكل معادلة دقيقة:
تقدّم في التفاوض مقابل ثبات في الردع، وحوار سياسي تحت سقف الاستعداد لكل الاحتمالات، وإيران يالله تعالى منتصرة.؛