رسالة الى الامام الخامنئي..!
المخلص عبد الجليل الزبيدي ||

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في خضم المتغيرات السريعة لمعادلات القوة عالميا واقليميا ، وفي ظل تساقط مفاهيم ومعايير الامن والسلم الدوليين التي بموجبها تأسست المنظمة الدولية ، وفيما يتخلى القريب الديني والانساني ، عن ثوابت ومبادئ الاخوة الأيمانية التي ارساها نبي الاسلام وفي حين بات منهج الرذيلة اصلا والفضيلة استثناءا .. تبدو بلادكم العظيمة ، الجمهورية الاسلامية الايرانية قد تكالب عليها محور الشر الاستكباري وفروعه وذيولة في المنطقة والعالم ليضع محور الاسلام المحمدي برمته في دائرة الاستهداف المباشر.
ان محنة ايران في هذا المنعطف غير المسبوق في التأريخ المعاصر هي صدفة التأريخ حينما اصبح خصمكم هو الرئيس دونالد ترامب ( حتى قيل ترامب وخامنئي ..). انه خصم استثنائي واختط نهجا يقترف من خلاله كل شائنة تنتهك المعايير الاخلاقية ومبادئ العلاقات السوية ،بالاضافة الى كل مافي هذا الرجل من مشكلات عقلية ونفسية ومراهقة سياسية وجموح نحو المال المصحوب بالعنجهية والغطرسة الامبريالية المستكبرة .
ولذلك فإن من الصعب التعامل مع هذا الطرف الذي يمسك بسكين القوة المتهورة والرعناء مقابل ايران التي تحاججه بمعايير الحكمة والتعقل ،حتى بان الفارق بين الجبهتين الى حد يخشى ان جنون القوة يفضي الى حرب شعواء ، تعم خلالها الفوضى….فوضى تتعدى الجمهورية الاسلامية لتطال المنطقة ،ومعها تختل معادلات التوازن لصالح محور الشر واذنابه المتربصين بمحور الاسلام المحمدي العلوي .
سيدي المبجل
ان اتخاذ قرار بالمهادنة ودفع الضرر الاكبر هو عين الحكمة ، وإزاء هذه الاحتمالات، استحضر هنا المثل الفارسي العتيد ( مجنون يرمي حجرا في البئر ، يحتاج الى مئة عاقل لانتشاله ) كناية لما ستؤول اليه المقادير في هذا الجزء الحضاري والقيمي من منطقتنا .
ويقول الشاعر والحكيم حافظ الشيرازي : ( با دوستان مروّت، با دشمن مداراة )؛ بمعنى : الكرم مع الأصدقاء، والمداراة مع الأعداء.
واصطلاحا يستحضر هذا المثل في معنى ان المداراة مع الخصم هو أساس الحكمة السياسية .
نعم سيدي ان ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) و هي أصل فقهي عظيم يعني دفع الضرر وإزالته أولى من تحصيل المنفعة عند التعارض ويستند ذلك إلى أن الشريعة اعتنت بالمنهيات (المفاسد) أشد من المأمورات (المصالح)، حيث يتم منع الضرر قبل وقوعه .
من هذا المبنى الفقهي ، نفهم ان درء مفسدة الحرب ، اصل مقدم على اية منفعة من البرنامج النووي والجزئيات الاخرى باعتبار ان التضحية بالجزء ضرورة للمحافظة على الكل ، بل هو اكثر منفعة لتأمين مصلحة بقاء نظام الجمهورية الاسلامية واستمرار نهجها القيمي والمعنوي .
فالمحافظة على بقاء ( أم القرى العلوية مبسوطة اليد ) هي المنفعة العليا إن كان بقاؤها سيتأتى من درء مفسدة الحرب وبأية طريقة .
ان استحضار الحكمة باللجوء الى المهادنة ، ليست ترفا حينما نسمع عراب الحروب الاميركية الحديثة ليندسي غراهام يقول (( ان حروبنا الى جانب اسرائيل في الشرق الاوسط هي حروب دينية مقدسة )) .
وما صرح به مايك هاكابي السفير الاميركي في اسرائيل عن ( حق توراتي لاسرائيل بالسيطرة على المنطقة الممتدة من نهر النيل الى نهر الفرات ) فإنهم قد استحضروا موروثم الديني كمنهج لحروب مابعد الصليبية والانتقال الى متبنى ( الانجيليكانية ) الذي يؤمن بوجوب ( استعلاء بني اسرائيل وهيمنتهم على ارض ابراهيم ) كشرط لعودة المسيح .
ولأن محور الاسلام المحمدي الاصيل هو آخر عقبة امامهم ، لذا فهم يستهدفوننا باستحضار وتحشيد كل مالديهم من قدرات العدوان عسكريا وسياسيا وثقافيا واعلاميا .
والأبتلاء ياسيدنا يكمن في ان من بين ظهرانينا ومن الجيران وشركاء الدين وحكام الباطل يعينون الظالم ويحرضوه على عدوانه ،متربصين بشماتة الجهال ، سقوط ( النهج المحمدي العلوي ) باعتباره يرمز الى الكرامة و العفة والفضيلة لكي لايبقى ما يؤنبهم ويناكفهم كنموح مقابل ذلتهم وخنوعهم وانحطاطهم .
قوميا ..ان نظرة لتأريخ بلاد فارس ، يظهر ان أمتكم قد مرت بظروف مماثلة في صراعاتها مع الامبراطوريات الكبيرة قبل آلاف السنين ، فالملك كوروش الكبير وفي اكثر من منعطف وجد نفسه امام محك ،إما المغامرة بالحرب او الجنوح نحو السلام ، والموقف ذاته مع الملك داريوس في حروبه مع الاغريق والملك خشايار في حروبه مع اليونان ..
فهؤلاء رغم قوة امبراطوريتهم ،إلا انهم جنحوا نحو المهادنة التكتيكية مستخدمين اسلوب الهدنة لتهدئة المعارك لتجنب الهزائم الكبيرة، وذلك لتأمين الفرصة لإعادة بناء القوة، ومفضلين السلام للحفاظ على اصول القوة لاعادة استحضارها فيما بعد .
ان التعقل والحنكة والحكمة في الحروب ، هي منهج فارسي ، يتعلم منه الحكام والساسة والمنظرين الذين استلهموا من التاريخ الفارسي القديم ، أن السلام لم يكن دائما خيارا أخلاقيًا فحسب ، بل كان في الغالب قرارا سياسيا ذكيا لاستمرار البقاء وتحقيق الغلبة في نهاية المطاف.
سيدي حفظكم البارئ
نعلم ان ديدنكم هو اعتقادكم الراسخ بانكم ورثتم الثورة ومبادئها ، والدولة ونظامها الاسلامي ، أمانة عن الامام الخميني ،وبحكم ولايتكم ومبناكم الفقهي ، فأنتم تتمسكون بصون هذه الامانة مادمتم على قيد الحياة .
نعم هو مبدأ حسيني عظيم يقوم على اساس ( هيهات منا الذلة ) ولكن …
في تأريخ الاسلام المحمدي الاصيل ، كان هناك علي ومعاوية. ، وقد قبل سيدنا ومولانا ابا الحسن التحكيم على مضض بعد ان انشق قسم من الأمة وتذمر آخرون من سيل دماء صفين .
ايضا في تأريخنا حضرت الحكمة إثر تبدل الأهواء والولاءآت ليحدث ما عرف بصلح الحسن ومعاوية .
في ميزان الحكمة قرأ إمامنا الصادق تبدل الاحوال فوجدناه ناصحا سيدنا زيد بعدم الخروج .
وفي عهد العباسي المأمون، نصح امامنا الرضا أخيه ابراهيم بعدم الخروج ، إلا ان ابراهيم خرج معلنا الثورة في الكوفة وانشأ دولة تمتد الى اليمن لكنها أنتهت كما انتهى ما قبلها بفعل معارك خاسرة بحكم فارق القوة.
سيدنا الحكيم
ان المستلهم من تجارب الصلح والمهادنة ( الى حين ) في التأريخين : القومي والاسلامي ، يستدعي لحظة قرار شامل للحفاظ على اسس ومنجزات الثورة الاسلامية المباركة .
صحيح ان الثورة وطيلة 47 عاما قدمت وسخرت قدرات وثروات وامكانات ايران للاسلام ، ولكن قد آن الاوان ونتيجة تبدل الظروف والاحوال ، ان ينعكس المسار نحو ( ان يكون الاسلام لمصلحة ايران والامة الايرانية المسلمة ).
ان انكفاء دولة النبي الى المدينة ( الى حين )؛بعد صلح الحديبية كان خطوة سلام ومهادنة تكتيكية جبارة ادت الى الالتفات للعناية بمجتمع المدينة واعادة صياغته اسلاميا وكذلك كسب مزيد من القبائل الى الدين ومضاعفة عديد الجيش …وفي النهاية تأمين كل مستلزمات الانتصار العظيم السلمي بفتح مكة .
حفظ الله الاسلام المحمدي العلوي وحفظ الجمهورية الاسلامية وحفظكم الرحمن من كل سوء .
* المخلص عبد الجليل الزبيدي




