بينَ التحوّلِ الجيلي وتمسّكِ القياداتِ التقليدية: قراءةٌ في دلالاتِ ترشيح السيد المالكي..!
آزاد محسن ||

يبدو أنَّ تمسّكَ السيدِ نوري المالكي بترشيحِ نفسِهِ لرئاسةِ الوزراء يحملُ أبعاداً أعمقَ من كونِها منافسةً سياسيةً.
فالعراقُ يشهدُ منذُ سنواتٍ تحوّلاً جيلياً واضحاً أصابَ معظمَ الأحزابِ والقوى التقليديةِ، وبدأتْ ملامحُهُ تترسّخُ بصورةٍ نهائيةٍ في بِنيةِ المشهدِ السياسي.
هذا التحوّلُ ابتدأَ في الساحةِ الكردية بعدَ رحيل الرئيس جلالِ الطالباني ونوشيروان مصطفى (رحمَهما الله)، حيثُ دخلت القوى الكرديةُ مرحلةَ إعادةِ تشكيلٍ للقيادات والتوازنات.
ومعَ مرورِ الزمنِ، أخذَ حضورُ بعضِ الرموزِ التاريخيةِ يتراجع، وباتَ استمرارُ بعضِهم في المشهدِ مرتبطاً بعاملِ الزمن البيولوجي أكثرَ من ارتباطِهِ بفاعليةِ الدورِ السياسي أو قدرتِه على إنتاجِ مشروعٍ جديدٍ يواكبُ التحوّلاتِ المتسارعة.
ثمَّ امتدَّ التغييرُ إلى الساحةِ السُنيةِ التي تبدّلَ مشهدُها بصورةٍ شبهِ كاملة، وصعدَ جيلٌ شابٌّ يتصدّرُ مواقعَ القرارِ والتأثيرِ، حاملاً خطاباً مختلفاً وأدواتٍ جديدةً في التعاطي مع الدولةِ والسلطة.
واليومَ يصلُ هذا المسارُ إلى الساحةِ الشيعيةِ، التي لم يبقَ من رموزِها التقليديةِ ذاتِ الحضورِ التوافقي إلا السيد هادي العامري، بشخصيتِهِ الهادئةِ وغيرِ الجدليةِ نسبياً بينَ القوى المختلفة، والسيد المالكي، بشخصيتِهِ المتعارفِ عليها.
في نفسِ الوقتِ تتزايدُ فيهِ الضغوطُ نحوَ إعادةِ تعريفِ القيادةِ وأدوارِها ضمنَ معادلةٍ سياسيةٍ أكثرَ تعقيداً.
في هذا السياقِ، يبرزُ حزب الدعوة الإسلامية بوصفِهِ أحدَ الأحزابِ التي واجهتْ انحساراً انتخابياً ملحوظاً، حيثُ تراجعَ حضورُهُ إلى عددٍ محدودٍ من المقاعد. ومن هنا يمكنُ قراءةُ تمسّكِ السيدِ المالكي بالترشيحِ باعتبارِهِ محاولةً لإعادةِ تثبيتِ الحضورِ في واجهةِ المشهدِ السياسي، والسعيِ إلى استعادةِ موقعٍ مؤثّرٍ في مرحلةٍ تشهدُ تبدّلاتٍ سريعةً في موازينِ القوى وتحولاتٍ متراكمةً في الوعيِ السياسي والاجتماعي.
غيرَ أنَّ قراءةَ هذا المشهدِ ينبغي أن تبقى ضمنَ إطارِ التحليلِ السياسيِّ البارد، بعيداً عن الشخصنةِ أو التقليلِ من أيِّ تجربةٍ سياسيةٍ سابقة.
فالتغييرُ سنّةُ الحياةِ السياسيةِ، وتداولُ الأدوارِ جزءٌ من ديناميكيةِ المجتمعات، ولا يمكنُ لأيِّ مرحلةٍ أن تتوقفَ عندَ شخصٍ أو حزبٍ مهما كانَ تاريخُهُ أو حضورُهُ.
وفي الختامِ، يبقى الدعاءُ جامعاً فوقَ كلِّ التحليلات:
اللهمَّ ارزقْنا حسنَ العاقبةِ، اللهم اجعل خاتمة أعمارنا ونحن ثابتون… لا نبيع مبدأ، ولا نساوم على دم، ونبقى أوفياء للحشد والمقاومة مهما كانت المغريات.




