معرفة العدوّ الحقيقي..!
كوثر العزاوي ||

قد يستطيع الإنسان أن يعيش بمفرده دون الخوف على نفسه وإن كان ذلك مخالفًا للفطرة، فهو مدفوع بطبيعته الى مخالطة الآخرين من بني نوعه ليستعين بهم على توفير مقومات الحياة، لأنه إجتماعيّ الطبع، ولابدّ له من أسرة ومعارف وأصدقاء ينسجم معهم بالفكر والعقيدة والتوجّه، ولو بمقدار معين تستمر معه الحياة بهدوء، لكن الأهم من ذلك كله “ينبغي أن يمتلك الإنسان القدرة على تشخيص مَن يضرّ باستقرار حياته ليجتنبه”.
ونحن نعيش اليوم عالَمًا متذبذِبًا، يموج بالأحداث والحوادث، وكثرة الشبهات، وتنوّع الاتجاهات، واختلاف الطباع، لدرجة عدم وضوح الرؤية لدى كثير من البشر، مما يصعب معها تشخيص العدو الحقيقي من العدو الوهمي.
ورغم تلك الهجمات وخطورتها إلّا أن الغيور على قيَمهِ يستطيع تشخيص العدو بشكل واضح بالاستعانة والتوكل على الله تعالى، والرجوع الى أهل الخبرة، الحريصين على مستقبل الأمة، ومتابعة توجيهاتهم، ودرايتهم بشؤون المجتمع، ومايجري من أحداث، من أجل الوصول إلى معرفة مَن يخطط للأذى في الخفاء، ومَن يشكّل تهديدًا حقيقيًا في إلحاق الضرر بالبنية الإنسانية والأخلاقية.
فها هي دوائر الاستكبار والماسونية العالمية، ومن خلال أدواتهم في الخارج والداخل، تسعى لخلط الأوراق أمام الأعين، وصرف أذهان المجتمع واستهداف العوائل الكريمة، واستهلاك طاقاتهم، عبر روافد متعدّدة، ظاهرها البناء وباطنها الهدم والخراب.
فعن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام
(مَن نامَ عن عدّوهِ أنبهتهُ المكائد)
وهذه إشارة، إلى أنّ الإنسان مهما تهاون وغفل عن تشخيص عدوّه، لابدّ له من يوم توقظهُ المكائد والمخططات، التي حيكت له بخيوط من حرير بهدف تدميره.
ولعلّ أوضح مصداق، ما نشاهده اليوم من تكريس القنوات الفضائية، ومواقع التواصل الإجتماعي، إذ تراها كالأفاعي فاغرة أفواهها ببثّ سمومها، عِبر سلسلة من العروض الفنية، من مسلسلات مبتذلة خادشة للحياء، خارجة عن محور الأصالة والأعراف، إضافة الى بثّ أنواع من البرامج الهابطة الساخرة الجوفاء.
وكل ذلك يُفضي الى هدفِ واحد هو: تغييب العقل الإنساني وتلويث الفطرة السليمة! لدرجة الغيبوبة!
حتى يستطيع العدو، نيلَ مُناه في سرقة جوهرة الإنسان الثمينة ومصادرة آدميته.
وللبصيرة دور لدى عقلاء القوم، كونها الحجة على الإنسان، وهو العالِم بميزان نفسه، بدليل قوله تعالى :
(بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)القيامة ١٤
ومعرفة ذلك تتوقف على اهتمام المكلّف بإدارة حياته وحياة مَن هُم تحت جناحهِ، وفق معايير الشريعة السمحاء.
فأذا عرف العاقل حجم نفسه، وأفقهَ مقدارها، ألجمها وألزمها الأدب والعفة، وهذّبها على أسس الفضيلة، فلا عذر له والحجة ملقاة بإيضاح ضوابط السماء.
سيما وقد ثبت بالدليل العملي مَن هو العدو الحقيقي، الذي يريد هدم مروءة المجتمع، وتدمير منظومته القيَمية.
فإذا كان الأنسان الحر يمتلك مناعة تحميه من السقوط في مستنقعات الرذيلة، وحصانة تمنعه من الوقوع في فخاخ الأعداء ومصائدهم، فلا ينبغي الاستخفاف بالعدو ظاهرًا وباطنًا، لأنه كدودةِ الأَرضة، عندما تبدأ بالنخر لا تشعر بوجودها، إلّاحينما يتهرأ هدفها ويبدو مشوّهًا، ثم شيئا فشيئا يأخذ بالانهيار.
٧-رمضان-١٤٤٧هـ
٢٥-شباط-٢٠٢٦م




