من رسالة الحقوق: فأما حق الله الأكبر عليك (1)..!
محمود وجيه الدين ||

«فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ الأَكْبَرُ عَلَيْكَ: فَأَنْ تَعْبُدَهُ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِإِخْلَاصٍ جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكْفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهُمَا»
في رسالةِ الحقوقِ للإمامِ زينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحسينِ (عليهِ السلام)، ينبغي قول كلمةٍ تمهيديِّةٍ :
لو وضعنا الإنسانَ متجرِّدًا عن كلِّ تأثيرٍ تحتَ مجهرِ رسالةِ الحقوقِ، لوجدنا أنَّ الإنسانيَّةَ تتجلَّى فيها بكرامتِها وبواجباتِها. ولو وضعنا الغربَ لا بالمنظورِ الجغرافيِّ فحسب، بل بالمنظورِ الأيديولوجيِّ تحتَ هذا المجهرِ، لوجدنا أنَّ رسالةَ الحقوقِ، والإنسانيَّةَ، والأخلاقَ، والدِّينَ في جهةٍ، والغربَ في جهةٍ أُخرى.
لقد كنتُ متأمِّلًا في أوَّلِ حقٍّ في رسالةِ الحقوقِ، فطرحتُ تساؤلًا: لماذا كان اللهُ سبحانه هو أوَّلَ حقٍّ على الإنسانِ وأكبرَه؟
الجوابُ :
لأنَّ الإنسانَ قد جُبِلَت فطرتُه على معرفةِ اللهِ تعالى، وعقلُه يثيرُ التساؤلاتِ المعرفيَّةَ الكبرى، ووجودُه رهينُ العلَّةِ الأُولى، وقد خُلِقَ لغايةٍ أسمى.
فكان من مقتضى ذلك أن يعرفَ الحقَّ الأوَّلَ ليُذعِنَ له؛ كما كان الأنبياءُ الإلهيُّون (عليهم السلام) يبدؤون به في خطابِ أقوامِهم، كما في قولهِ : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11].
فالإنسانُ حين يطيعُ اللهَ تعالى، ويؤمنُ برسالتِه، ويلتزمُ أوامرَه، ويجتنبُ ما نهى عنه، يكون قد جسَّدَ الالتزامَ بأوَّلِ حقٍّ في الوجود. وهذا الحقُّ لا ينتزعُ من الإنسانِ حريَّتَه، بل تتجلَّى به إنسانيَّتُه، وتتقدَّمُ إلى الأمام؛ فيرى الحياةَ استخلافًا عمليًّا، والموتَ نقطةَ عبورٍ، والآخرةَ ملتقىً وبلا نهاية فيصل لذروةِ الكمال، فلا يقفُ عند حدودِ الفناء.
ومن ثَمَّ لا يستكبرُ عن هذا الحقِّ، ولا يتجاهلُه؛ لأنَّ الاستكبارَ عنه مآلُه الخسران. وقد شهد التاريخُ أمثلةً كثيرةً على ذلك، قديمًا كان أو حديثًا . ومِن أبرز الأمثلةِ في عصرنا وبالنسبة للفكرِ الغربيِّ في ما بعد الحداثة :
الفيلسوفُ الألمانيُّ فريدريك نيتشه، القائلُ بعبارته المشهورة :«لقد مات الإله، ونحنُ مَن قتلناه». وقد أراد بهذهِ العبارة إعلانَ موتِ الإيمانِ، والضميرِ، والأخلاقِ، والدِّينِ، وكلِّ ما يتجاوزُ الحسَّ إلى مايُسمَّى الميتافيزيقا، ليجعلَ الإنسانَ وحدَه مسؤولًا عَن مصيرِه بمعزلٍ عن المرجعيَّةِ الإلهيَّة. غير أنَّ هذا المثالَ نفسَه يُبرزُ أهميَّةَ الحقِّ الأوَّل؛ إذ يكشفُ أنَّ محاولةَ إقصاءِ اللهِ من مركزِ الوجودِ لا تُنتجُ إنسانيَّةً أرقى، بل تُفضي إلى قلقٍ وجوديٍّ واضطرابٍ قيميٍّ وانعدام لحقيقةِ الإنسان . أمَّا اللهُ جلَّ شأنُه فهو الحيُّ قبل كل الأشياء ، وبعدَ كل الأشياء، والحيُّ الذي لا يموت : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
ومحصِّل القول في أوَّلِ حقٍّ من رسالةِ الحقوقِ ، أنَّه يعدّ أصل سائرِ الحقوقِ على الإنسان ومفتاحُها؛ وهنا نستحضرُ ما ورد عَنْ أميرِ المؤمنين عليّ (عليه السلام) : «مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ»[ نهج البلاغة: حكمة 89] فإنَّ إصلاحَ العلاقة مع اللهِ هو الميزانُ الذي تنتظمُ به بقيَّةُ العلاقاتِ، وبه تتحقَّقُ إنسانيَّةُ الإنسانِ في أسمى معانيها.




