بين المقترح النووي والضربة المحدودة الشرق الأوسط على حافة إعادة رسم التوازنات..!
د. إسماعيل النجار ||

*ففي لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية، يتقاطع مساران متوازيان هُمآ تلويح إيران بمقترح نووي جديد، وتسريب معلومات عن دراسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خيار توجيه ضربات عسكرية محدودة.
وبينهما يتحرك الكونغرس في الولايات المتحدة لمناقشة تقييد صلاحيات الحرب.
المنطقة إذاً أمام لوحة معقدة عنوانها الردع المتبادل تحت سقف الانفجار. ما يعني أن الدبلوماسية تسير تحت ظل الصواريخ، فعندما تلوّح طهران بمبادرة نووية، هي لا تفعل ذلك من موقع ضعف، بل من موقع إدارة أزمة. فالمقترح الإيراني أياً كانت تفاصيله فهو يهدف إلى فتح نافذة تفاوض تكبح التصعيد. وتخفيف العقوبات الاقتصادية. وتسعى لتثبيت حقها في التخصيب ضمن شروط تفاوضية جديدة قد تُرضي الطرفين.
*في المقابل، التلويح الأميركي بضربات “محدودة” لا يعني قرار حرب شاملة، بل رسالة مزدوجة الضغط لتحسين شروط التفاوض، ومنع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية.
*نحن إذاً أمام لعبة “رفع السقف” تمهيداً لتسوية، لا تمهيداً لحرب لكن التاريخ الإقليمي يُظهر أن الخطأ في الحسابات قد يحوّل الضغط إلى مواجهة.
*وهناك سيناريوهات كثيرة محتملة
الأول هو سيناريو الاحتواء المتبادل وهذا هو (الأرجح)
*السيناريو الثاني مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء. يهدف إلى تجميد جزئي للتخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات. وتجنب الضربات العسكرية.
وهذا السيناريو يحفظ ماء وجه الطرفين، ويمنع انفجاراً واسعاً. لكنه يبقي جذور الأزمة قائمة.
الثالث هو سيناريو الضربة المحدودة والرد المنضبط، عبر استهداف منشآت عسكرية أو نووية محددة. ورد إيراني محسوب بشكل مباشر وليس عبر أدوات غير مباشرة في الإقليم. ما يعني تصعيداً مضبوط زمنياً ومكانياً.
*هنا تدخل المنطقة في مرحلة توتر عالي الكلفة، لكن من دون حرب شاملة. الخطر في هذا السيناريو يكمن في انزلاق الردود المتبادلة إلى ما هو أبعد من الحسابات الأولية. لأن سيناريو الانفجار الإقليمي الواسع هو (الأخطر)
إذا فقدت الضوابط السياسية السيطرة، فسنشهد حينها إتساع لدائرة الاشتباك ليشمل جبهات متعددة. وتهديد للملاحة في الخليج. واضطراب في أسواق الطاقة. وانخراط أطراف إقليمية إضافية في الصراع.
*هذا السيناريو لا يبدو مفضلاً لأي طرف، لكنه يبقى ممكناً إذا اختلط الردع بالتهور.
*هنا نطرح سؤال ما هو موقع لبنان في المعادلة إذا ما وقعت الحرب؟.
*الجواب هو أن لبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي، ليس بعيداً عن أي تصعيد بين واشنطن وطهران. فكلما ارتفع منسوب التوتر هناك تزداد الضغوط الاقتصادية في لبنان. ويرتفع منسوب القلق الأمني. ويتأثر الداخل السياسي المنقسم أصلاً. من هنا نقول أن أي تصعيد إقليمي سيضاعف هشاشة الوضع اللبناني، خصوصاً في ظل أزمة مالية مستمرة وانقسام سياسي حاد وعربدة صهيونية لم تعُد تُحتمل؟.
*لذلك الردع تحت سقف السياسة يبقى الأفضل، وخصوصاً أن المنطقة اليوم تعيش توازناً هشاً، وإيران تلوّح بالمرونة وواشنطن تلوّح بالقوة. والكونغرس يقيّد حركة ترامب والبيت الأبيض يهدد.
*إذاً السيناريو الأقرب هو استمرار الضغط المتبادل وصولاً إلى تسوية مؤقتة. لكن الشرق الأوسط علّمنا أن التوازنات الدقيقة قد تنهار بقرار واحد أو صاروخ واحد. فالسؤال الحقيقي ليس هل ستقع ضربة أم لا؟
بل هل ما زال هناك من يتحكم بإيقاع التصعيد إذا ما حصل أم أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل قسري للتوازنات؟
بيروت في،، 25/2/2026




