الاثنين - 15 يونيو 2026
منذ 4 أشهر
الاثنين - 15 يونيو 2026

عباس خالد ||

حين أطلق السيد الولي علي خامنئي. عبارته التحدّية بوجه تهديدات دونالد ترامب لم تكن مجرد جملة انفعالية في سياق سجال سياسي، بل كانت إعلانًا صريحًا عن عقيدة قتال ترى في المواجهة مع الولايات المتحدة معركة سيادة ووجود، وهي رسالة تختصرها العقيدة في مواجهة التهديدات الامريكية بقولها لترامب “أعلى ما بخيلك اركبه” أي افعل ما تستطيع فلن تغيّر المعادلة،

لأن إيران لا تقاتل بوصفها دولة تقليدية تعتمد على حسابات الربح والخسارة فقط، بل ككيان عقائدي تعبوي يمتلك خبرة طويلة في تحويل التهديدات إلى فرص والضغوط إلى عناصر قوة، فالحشود البحرية الأمريكية والبوارج التي تتحرك في المياه الإقليمية ليست في الحساب الإيراني أدوات حسم بل أهدافًا محتملة في أي مواجهة مفتوحة،

إذ تقوم العقيدة العسكرية الإيرانية على مبدأ إغراق التفوق الناري في بحر الجغرافيا الواسعة والعمق الاستراتيجي الممتد من السواحل إلى الجبال، حيث تتحول المسافات إلى خطوط استنزاف، والمياه الضيقة إلى مصائد نيران، والقواعد المعادية إلى نقاط مكشوفة ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة،

وهو ما يجعل أي قرار بالحرب مغامرة غير مضمونة النتائج حتى في تقديرات المؤسسات العسكرية الأمريكية نفسها،

فإيران لا تعتمد فقط على سلاحها النظامي بل على منظومة تعبئة عقائدية تعتبر الدفاع عن الأرض واجبًا مقدسًا، وتحوّل المجتمع إلى خزان بشري قادر على الصمود الطويل، وهو عامل حاسم في أي حرب تتجاوز الضربة السريعة إلى المواجهة المفتوحة، كما أن الجغرافيا الإيرانية ليست مجرد تضاريس بل منظومة دفاع طبيعية تجعل الحسم السريع شبه مستحيل، بينما يمنح الانتشار السكاني والبنية العسكرية اللامركزية قدرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج القوة،

وفي المقابل فإن القوة الأمريكية العابرة للمحيطات تواجه معضلة البعد اللوجستي وطول خطوط الإمداد وحساسية الرأي العام للخسائر، وهو ما يجعل معادلة الردع تميل نحو منع الحرب بدل حسمها، خصوصًا أن أي مواجهة ستؤدي إلى اشتعال إقليمي واسع واهتزاز اقتصادي عالمي وتهديد مباشر لطرق الطاقة والتجارة،

ولذلك فإن التهديد الإيراني بإغراق البوارج ليس مجرد دعاية سياسية بل جزء من استراتيجية تقوم على جعل كلفة الحرب أعلى من مكاسبها، وهي معادلة أثبتت فعاليتها في تجارب سابقة حين تحولت القوة المتفوقة تقنيًا إلى قوة مترددة سياسيًا،

ومن هنا يمكن فهم الرد الإيراني بوصفه إعلان ثقة لا مجرد تحدٍ، فالدولة التي ترى في الموت انتقالًا إلى الخلود لا تُكسر بالحصار، والدولة التي بنت عقيدتها على المقاومة لا تُرهبها الأساطيل،

ولذلك فإن عبارة “سيغرقون ” لم تكن تحديًا لفظيًا بقدر ما كانت تلخيصًا لمعركة إرادات تدرك فيها طهران أن من يأتي عبر البحار قد يبدأ الحرب، لكنه ليس بالضرورة من ينهيها.