حين تُصافح المصالح وتختبئ الصداقات خلف البروتوكول..!
طه حسن الأركوازي ||

ليست المشكلة في العبارة التي تقول إن “السياسة بلا صداقات دائمة”، بل في الطريقة التي نكتشف بها صدقها كُل مرة وكأنها مُفاجأة جديدة ، فالمشهد السياسي محلياً ودولياً ، يشبه الى حدٍ ما مسرحاً تُبدل فيه الأدوار أسرع مما تُبدل فيه الأقنعة ، حتى باتت الواقعية السياسية أقرب إلى درس يومي في البراغماتية منها إلى منظومة قيم .
هنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي هل السياسة حقاً بلا عاطفة أم أنها فقط تُخفي عاطفتها خلف لغة المصالح .؟
لو نظرنا إلى حركة التحالفات ، سنجد أنها لا تسير بخط مستقيم ، بل بخط مُتعرج يشبه خريطة الزلازل ، تقاربٌ هنا ، وتباعدٌ هُناك ، وأتفاقٌ على ملف ، وخلافٌ على آخر ، وكأن الدول تتقن فن السير على حبل التوازن بين ما تريده وما تستطيع فعله ،
هذه ليست مُفارقة بقدر ما هي طبيعة النظام الدولي نفسه ، حيث لا يوجد أنسجام كامل ولا خصومة كاملة ، بل شبكة مصالح تتقاطع وتتباعد وفق حسابات دقيقة ، وأحياناً باردة إلى حد القسوة .
في العراق ، تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحاً ، لأن التجربة السياسية الحديثة وُلدت أصلاً في بيئة مُزدحمة بالتوازنات والضغوط ، فالعلاقات السياسية لا تُقاس بمدى دفئها ، بل بمدى قُدرتها على الصمود أمام أختبار المصلحة ، لذلك كثيراً ما يبدو المشهد وكأن الجميع يتحدث بلغُة المبادئ في العلن ، بينما تُدار التفاصيل بلغة الحسابات الدقيقة في الكواليس ، ليس في ذلك أستثناء بقدر ما هو نسُخة مُكثفة من منطق السياسة في كُل مكان ، حيث لا تُكتب القرارات بالحبر وحده ، بل بموازين القوة أيضاً .
ومع ذلك ، فإن أختزال السياسة في المصلحة فقط يظل تبسيطاً مرُيحاً لكنه ناقص ، فالحقيقة الأقرب إلى الواقع هي أن السياسة لا تحكمها مصلحة واحدة بل مصالح مُتعددة ، مُتداخلة ومُتغيرة ، أقتصادية ، وأمنية ، وأنتخابية ، ورمزية ، تتقدم إحداها حيناً وتتراجع أخرى حيناً ، ولهذا قد نرى خصمين يتفقان على ملف مُحدد ، وحليفين يختلفان في ملف آخر ، دون أن يشعر أي منهما أنه تناقض مع نفسه ، إنها لعُبة التوازن بين الممكن والمطلوب ، لا بين الحب والكراهية .
الكتابة السياسية الساخرة ، كما في إرث الأديب والروائي الفلسطيني الساخر “غسان كنفاني” ، تُذكرنا بأن السخرية ليست تهكماً فارغاً ، بل أداة لكشف المسافة بين الخطاب والواقع ، فحين تتضخم اللغة الرسمية بالوعود ، يصبح التلميح أحياناً أصدق من التصريح ، ويغدو السؤال البسيط أكثر إزعاجاً من الخطاب الطويل ، هل تُدار السياسة لخدمة الدولة أم لخدمة توازنات اللحظة .؟
في السياق العراقي الراهن ، لا تبدو المشكلة في غياب الصداقات داخل السياسة ، بل في غياب الوضوح حول حدود المصلحة العامة نفسها ، فعندما تتعدد الولاءات ، وتتزاحم الحسابات ، يصبح المواطن مُراقباً لمعادلة لا يرى منها إلا نتائجها ، بينما تُصاغ مُقدماتها بعيداً عن الضوء ،
هنا تتحول السخرية إلى شكل من أشكال الوعي ، لأنها تفضح التناقض دون أن تسقط في اليأس ، وتنتقد الأداء دون أن تهدم فكرة الدولة .
السياسة ، في جوهرها ليست عالماً بلا أخلاق كما يُشاع ، لكنها أيضاً ليست مساحة للنيات الطيبة وحدها ، إنها فن إدارة التناقضات ، وضبط الصراع ، وتحويل المصلحة من أداة صراع إلى إطار توازن ، وكلما أقتربت من هذا المعنى ، أقتربت من الاستقرار ، وكُلما أبتعدت عنه تحولت إلى سلسلة أزمات مُؤجلة .
أخيراً وليس آخراً .. أن الواقعية السياسية التي تفرض نفسها اليوم لا تعني التخلي عن القيم والمبادئ ، بل تعني إدراك أن المصلحة الوطنية لا تُبنى بردود الفعل ولا بالتحالفات المؤقتة وحدها ، بل برؤية واضحة تُحدد ما هو الثابت فعلاً وما هو المتغير ، والنصيحة التي يمكن أن تُقال بهدوء للطبقة السياسية في العراق هي أن قوة أي نظام لا تُقاس بقدرته على إدارة التحالفات فقط ، بل بقدرته على إقناع المواطن بأن هذه التحالفات تخدمهم هم أولاً ، حينها فقط قد لا تصبح السياسة عالم صداقات ، لكنها على الأقل لن تبدو عالماً بلا ثقة …!




