الخميس - 14 مايو 2026

لبنان ليس فائض قوة لأحد بل فائض توازنات طائفية حفظت الجميع والشيعة لاعب أساسي فيه..!

منذ 3 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

د. إسماعيل النجار ||

في وطن الأرز، لا تُقاس الحقائق بعدد المقاعد ولا بصناديق الاقتراع وحدها، بل بموازين الردع التي حالت دون سقوط الكيان في قبضة أكثرية أحادية النزعة. من هنا يمكن فهم إعتراف العالم أنه لولا الحضور الشيعي الفاعل في لبنان لما بقي للمسيحيين وزنٌ سياسي وازن في المعادلة الوطنية.

*قد تبدو الجملة استفزازية للبعض، لكنها في جوهرها توصيفٌ لتوازنات تشكّلت بعد زلازل طائفيَّة ومذهبية  كبرى ضربت المنطقة أرادت إلغاء الأقليات؟.

*بعد الحرب الأهلية اللبنانية، بدا واضحاً لدى الجميع أن النظام السياسي الذي تأسس عام 1920 دخل طور التحوّل العميق. فجاء اتفاق الطائف كنتيجة لهذه الحرب ليعيد توزيع الصلاحيات ويكرّس منطق المناصفة، لكنه لم يُلغِ هواجس الجماعات. في تلك اللحظة التاريخية، لم يكن السؤال من يحكم لبنان، بل من يضمن ألا ينفرد أحد بالحكم ويلغي الآخرين.

*هنا برز الدور الشيعي، ليس بوصفه كتلة عددية فحسب، بل قوة سياسية اجتماعية صاعدة. فقد انتقلت من هامش الحرمان التاريخي إلى قلب القرار، عبر تنظيمات سياسية رسّخت حضورها النيابي والحكومي، وفي طليعتها حزب الله وحركة أمل.

هذا الصعود لم يُلغِ الآخرين، بل فرض معادلة شراكة جديدة. وهذا التحالف مع البعض كسر الاصطفاف الطائفي  التقليدي. فعندما وُقّع تفاهم مار مخايل بين التيار الوطني الحر وحزب الله عام 2006، لم يكن مجرد ورقة سياسية بل كان إعلاناً بأن الاصطفاف الإسلامي المسيحي التقليدي يمكن كسره. تحالفٌ عابر للطوائف أعاد تموضع المسيحيين داخل السلطة من موقع الشريك لا التابع. هذا التحالف بصرف النظر عن تقييم نتائجه أسّس لمرحلة شعر فيها جزء واسع من المسيحيين أن حضورهم في القرار لم يعد رهينة توازنات خارجية أو تحالفات ظرفية، بل أصبح محكوماً بشراكة داخلية صلبة. فبين الاعتدال والتطرّف سادَ منطق الوقاية من التطرف في الداخل اللبناني.

*في مثال صادق عما نقول فإن  المنطقة من حولنا قدّمت نماذج قاسية عن انهيار التعددية حين غابت الضوابط وتحديداً في العراق وسوريا، إذ أدّى صعود جماعات متشددة إلى انكماش الوجود المسيحي وتراجع أدواره التاريخية. لبنان، بكل أزماته، لم يسقط في السيناريو نفسه. لماذا؟ لأن ميزان القوى الداخلي حال دون هيمنة اتجاه واحد على الدولة.

القول إن “الشيعة سيطروا على مفاصل الحكم في الدولة هذا خطأ، بل الصحيح أن الشيعة حموا المسيحيين من التهجير والإنقراض. وهذا لا يعني اتهام السنة جميعهم بالتطرف، ولا اختزالهم في صورة نمطية. لكن تجربة العراق وسوريا وأفغانستان بعد سيطرة جماعات متطرفة تروي الحقيقة وتؤكد مصداقية ما أقول.

*الساحة السنية اللبنانية غنية بتيارات وطنية معتدلة، وهامات لها تاريخها، من بيروت إلى طرابلس وصيدا. لكن ما أقصده يعني أن معادلة الردع المتبادل منعت أي أكثرية مهما كان لونها من التفكير بإلغاء الشريك الآخر.

*في لبنان لا يمكن لأي أحد إنكار أن البيئة الشيعية قدّمت أثماناً باهظة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، ما أسهم في تكريس مفهوم “التوازن الردعي” الذي انعكس استقراراً نسبياً في الداخل. كما أن صعود الكفاءات الشيعية في الإدارة والاقتصاد والجامعات أسهم في إعادة تشكيل الطبقة الوسطى اللبنانية، بما عزّز دينامية الدولة بدل إضعافها.

الفضل هنا لا يُختزل بالسلاحٍ أو حزب الله وحركة أمل، بل بمسار اجتماعي  سياسي نقل طائفة بكاملها من التهميش إلى الفاعلية، ومن الهامش إلى صلب المعادلة الوطنية.

*الحقيقة الصعبة لكن يجب قولها وبشجاعة، لبنان لا يُحفظ بالأماني ولا بالشعارات السيادية الفارغة، بل بتوازنٍ دقيق بين مكوّناته. المسيحيون باقون لأنهم شركاء في صيغة، لا لأنهم أقلية مستضعفة. والشيعة شركاء لأنهم تحمّلوا مسؤولية الانتقال من دور المعترض إلى دور الحارس للتوازن.

المعادلة ليست “حماية طائفة لطائفة”، بل منع أي طرف من الانفراد بطرف آخر يعتبره أضعف منه كما يحصل في سوريا اليوم. هذا هو جوهر الكيان اللبناني. وكل من يطمح إلى إلغاء هذا التوازن تحت عنوان الأغلبية العددية أو الشرعية الدولية أو فائض القوة  إنما يفتح الباب أمام تفككٍ جديد.

فمن أجل بقاء لبنان ولكي لا يكون نتاج أكثرية تحكم، بل نتاج توازن يُلزم الجميع علينا الإعتراف بهذا الواقع.

وصدقت قراءة مشهد لتاريخ من العقود الثلاثة الأخيرة تُظهر أن الحضور الشيعي السياسي كان ركناً أساسياً في تثبيت هذا التوازن، وصون الشراكة الوطنية، ومنع انزلاق وطن الأرز إلى مصيرٍ شهدناه في أماكن أخرى من الشرق وصولاً إلى الذوبان من الخريطة.

بيروت في،، 23/2/2026