مقدِّمَةٌ عَنْ رسالةِ الحقوقِ للإمامِ زينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحسينِ (عليهِ السلام)..!
محمود وجيه الدين ||

سمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عندما صارَ ذلك الفردُ الإنسانُ يَستشعرُ الغربةَ عن ذاتِهِ، ويعيشُ تقلُّباتِ أحوالِهِ، بحالةِ اللَّا مُبالاةٍ والكذبُ على نفسِهِ، ويُحاكي يومَهُ على تجربةٍ غربيةٍ تتجاوزُ واقعَهُ، فهو يُهربُ عن دينِهِ، وأعلامُ إسلامِهِ.
إثرَ انخداعِهِ وتأثُّرِهِ في مدارسِ الغربِ وأفكارِها واتِّجاهاتِها المتعدِّدةِ الَّتي تختلفُ اختلافًا تامًّا عن المبادئِ الإسلاميةِ، والرؤيةِ الكونيَّةِ الدينيَّةِ، ومسلَّماتِ القيمِ والأخلاقِ الإنسانيةِ.
عندئذٍ أدركنا أنَّ ذلك الفردَ العربيَّ والمسلمَ وسطَ فجوةٍ كبيرةٍ، وخواءٍ روحيٍّ جليل، وفقدانٍ للقيمةِ الشخصيَّةِ في ظلِّ عصرٍ حداثويٍّ ومعولمٍ ومتشابكٍ ومعقَّدٍ، يُقاس الإنسان بالمادةِ وإلَّا فلا قيمة له.
وإنَّ الفجوةَ هذه بنظري لن تُردمَ على واقعِ أمتِنا الإسلاميَّةِ وأجيالِها إلَّا في مدرسةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) العريقةِ الَّتي تُجسِّدُ الإسلامَ المحمَّديَّ الأصيلَ، إلَّا في محاسنِ كلامِهم، كما رُويَ عنهم (صلواتُ اللهِ عليهم): «فإنَّ الناسَ لو علموا محاسنَ كلامِنا لاتَّبعونا».
وعلى أساسِ ذلك، سننطلقُ ـ بفضلِ اللهِ وتسديدِهِ ـ في الحديثِ عن رسالةِ الحقوقِ، للإمامِ زينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحسينِ (عليهِ السلام)، ذلك الإمامِ الغنيِّ عن التعريف. فالحديثُ عن هذهِ الرسالةِ ليسَ المرادُ شرحَها، فثمَّةَ مَن شرحَ، وصراحةً نُقرُّ أنَّنا لا نجدُ في أنفسِنا جرأةَ الشرحِ والإحاطةُ بجميعِ أبعادِها القرآنية و الشرعيِّة والأخلاقيِّة ، غيرَ أنَّ حديثَنا هو التأمُّلاتُ المقتضبةُ في وحيها ومن بُعدٍ معيّن نستفيدُهُ في كلِّ حقٍّ وُجِدَ في هذهِ الرسالةِ العظيمةِ.
نسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ في الأيام المُقبِلة أن يُوفِّقَنا ويُسدِّدَ قولَنا، وأن يهدِيَنا وإيَّاكم لنكونَ ممَّن طبَّقَ هذهِ الحقوقَ وعملَ بها.




