الأحد - 14 يونيو 2026

من فرعون إلى الصهيونية: سننُ التدبير الإلهي وهاجسُ المستكبرين من وعيِ الشعوب..!

منذ 4 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

عدنان عبد الله الجنيد- عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسين.

المقدمة: حين يظن الطغاة أنهم أمسكوا بمقاليد الأرض:
في زمن يعتقد فيه الجبابرة أنهم أحكموا قبضتهم على الأرض، وأن قوتهم العسكرية والإعلامية قادرة على وأد أي حلم تحرري، تطل علينا سنة إلهية لا تتبدل ولا تحابي: المستضعفون أمة لا تموت، والتمكين آتٍ ولو كره الكافرون.

في المحاضرة الرمضانية الرابعة، يقدم السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي،يحفظه الله، قراءة قرآنية عميقة لخريطة الطريق التي رسمها الله لتحطيم الطغيان، انطلاقاً من قصة موسى عليه السلام، ووصولاً إلى واقع الأمة اليوم. يستند الطرح إلى قوله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5].

هذه الآية ليست مجرد خبر عن بني إسرائيل، بل هي وثيقة ربانية تخبرنا أن التدبير الإلهي يتجاوز كل خطط الطغاة، وأن ما يخشونه سيتحقق على يد من يحتقرونهم.
أولاً: السياسات الاحترازية للطغاة – من السحرة إلى مراكز الأبحاث:

نهج الماضي: الخوف يصنع الوحشية:
اعتمد فرعون وهامان على السحرة والمنجمين لاستشراف المستقبل، فكانت نتيجة توقعاتهم أن مولوداً من بني إسرائيل سيزيل ملكهم.

هنا لم يتردد الطاغية في إصدار قرار إبادة جماعية: ذبح الأطفال وسحق الآمال. إنها سياسة احترازية تهدف إلى وأد المشروع الإلهي في مهده.

نهج العصر: نفس الخوف، أدوات مختلفة:
اليوم، يمارس “فرعون العصر” – ممثلاً بالصهيونية العالمية وأمريكا والغرب – السياسة ذاتها، لكن بأدوات عصرية.

لم يعودوا بحاجة إلى منجمين وكهان، فقد حلَّت محلهم مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، التي تضع تصوراتها لإحباط أي نهضة للشعوب المستضعفة، وضمان استمرار الهيمنة بطرق أكثر “تحضراً” في الشكل، لكنها أكثر وحشية في الجوهر.

وحدة الإجرام عبر التاريخ:
لم يختلف فرعون عن نتنياهو في الجوهر؛ فكلاهما يستخدم أدوات عصره لتحقيق الهدف ذاته: تصفية المشروع الإلهي.

ما يحدث اليوم في فلسطين من إبادة جماعية، وتجويع ممنهج، واستهداف متعمد للنساء والأطفال، ليس إلا استنساخاً حرفياً لسياسة فرعون في ذبح الأبناء واستحياء النساء.

حتمية الزوال: الطغيان يكتب نهايته بيده:
يؤكد السيد القائد يخفظه الله ،أن وصول الطغاة إلى ذروة طغيانهم ليس انتصاراً، بل هو مؤشر إلهي على قرب أفول نجمهم. فكلما ازداد الإجرام، اقترب موعد السقوط.
إنها سنة تاريخية: المستكبرون يعيشون وهم السيطرة، بينما تحفر أيديهم قبورهم بأنفسهم.

ثانياً: التدبير الإلهي – حين تنكسر كل الحسابات:
نفاذ الإرادة رغم التحصينات:
قد يظن الطغاة أن جدران قصورهم، وجيوشهم الجرارة، وأجهزتهم الأمنية المتطورة قادرة على تغيير قدر الله. لكن إرادة الله لا تحاصرها الجدران، ولا تخترقها الصواريخ.
تبقى نافذة، تظهر حيث يظن الطغاة أنهم أحكموا السيطرة، فتقلب المعادلة في لحظة لا تخطر ببال.

مواجهة اليأس: أخطر أسلحة العدو
يحذر السيد يحفظه الله ،من أخطر ما يسعى العدو لترسيخه في نفوس المستضعفين: اليأس والاستسلام النفسي.

فالعدو يعلم أنه إذا سيطر على العقول، فقد كسب المعركة قبل أن تبدأ.
وهنا يأتي التذكير الإلهي: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108].
فالله لا يريد لعباده الظلم، وهو يعدهم بالنصر إذا توفرت شروطه.

شرط الفرج: التدبير الإلهي ينتظر أرضاً خصبة
كما أن المطر وحده لا ينبت الزرع دون أرض محروثة، كذلك النصر الإلهي لا ينزل في فراغ.

إنه ينتظر أمة تتحرك، وشعباً يستعد، وقلوباً تثق بوعد الله. التدبير الإلهي يسبق توقعات البشر، لكنه يرتبط باستعداد الأمة إيمانياً وعملياً.
ثالثاً: بداية التنفيذ الإلهي – المرأة تصنع التاريخ:

الاصطفاء والوحي: لحظة البدء:
بدأ التغيير الإلهي باصطفاء قيادة ربانية (النبي موسى عليه السلام)، والوحي إلى أمه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7].

هذا الوحي لامرأة ليست نبية يحمل رسالة عظيمة: الله يثق بالمرأة المؤمنة ليقوم بدور محوري في إنقاذ أمة وإسقاط طاغية.

تكريم المرأة وتفعيل دورها:
بصبرها وإيمانها وتنفيذها للأمر الإلهي، كانت أم موسى سبباً في حفظ القائد وبدء مسيرة التحرير.

إنها نموذج للمرأة الرسالية التي تصنع التاريخ من داخل أسرتها، لا من خارجة عليها.
في المقابل: مشاريع إفساد المرأة:

بينما تحتفي منظمات التحرير المزعومة بخروج المرأة عن فطرتها لتكون سلعة رخيصة في سوق الإعلام، يرفع القرآن أم موسى علماً يهتدى به. يسعى المستكبرون اليوم إلى فصل المرأة عن مجتمعها وأسرتها تحت عناوين براقة، ثم استغلالها وإفسادها، لقطع الطريق أمام دورها العظيم في بناء الأجيال وصون الأمة.

رابعاً: الوعي بالقادة الربانيين وسنن النصر:
الإعداد الإلهي للخلاص:
يتجلى عظمة التدبير الإلهي في أن الله يعد القادة لمهمة الإنقاذ في قلب دار الطغيان نفسه.

فموسى نشأ وترعرع في قصر فرعون، تحت رعاية عدوه اللدود، ليرى الجميع أن الله إذا أراد أمراً هيأ أسبابه، وأنه قادر على اختراق كل التحصينات.

مبدأ التحرك والعمل:
يؤكد السيد القائد يخفظه الله أن النصر ليس أمنيات نرددها، ولا دعاءً نرفعه ثم ننام. النصر عمل وتضحية والتزام. يحتاج إلى وعي بسنن الله، والتفاف حول القيادة الربانية، وأخذ بالأسباب المادية والتربوية، مع التوكل على الله.

خامساً: العبرة من درس بني إسرائيل – من الاستضعاف إلى العزة:
قلق المستكبرين الدائم:

تعيش قوى الطغيان، رغم جبروتها العسكري والإعلامي، في قلق وجودي دائم.
هي تخشى الصحوة، تخشى الوعي، تخشى أن ينهض المستضعفون. وهذا القلق نفسه هو الذي يدفعها لمزيد من القمع، في دورة لا تنتهي إلا بسقوطها.

الخروج من التيه:
الانتقال من الاستضعاف إلى العزة ليس مستحيلاً. بنو إسرائيل تحولوا من أمة مستعبدة تذبح أبناؤها، إلى أمة تملك زمام أمرها، بفضل الثقة بالله والالتفاف حول القيادة الربانية. وهذا الدرس مفتوح للأمة اليوم.

الخاتمة: رسالة إلى العالم:
هذه هي سنة الله في الأرض:

· الطغاة إلى زوال، مهما تطاولت آجالهم.
· المستضعفون وارثون، مهما تكالبت عليهم قوى الشر.
· التمكين الإلهي حتمي، لمن أخذ بالأسباب وصدق مع الله.
فليطمئن قلوب المؤمنين، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب.
وليرتجف صناع القرار في واشنطن وتل أبيب، فالتاريخ لا يكتبه الطغاة، بل يكتبه رب العالمين على يد المستضعفين.

{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].