حين يصبح الفساد دولة موازية تبتلع كل شيء..!
حافظ آل بشارة ||

بوجود الفساد الشامل واستمراره ورسوخه لا يمكن أن يحقق البلد أي تقدم في أي مجال، لا في المجال السياسي، ولا في المجال الأمني، ولا في المجال الاقتصادي، ولا في المجال الثقافي، لذلك فالمشاكل نفسها باقية لعقود من الزمن وتزداد تعقيدا وتبتعد الحلول اكثر. هذا ليس تشاؤما، بل تذكير بحالة تاريخية تتكرر حين يتحول الفساد من انحراف فردي سري إلى منظومة حكم علنية.
حين يترسخ الفساد لا يوقف التطور فقط، بل تبدأ عملية تآكل الوضع القائم على جميع الأصعدة. إنه لا يجمّد الواقع عند حد معين، بل يفتته تدريجياً. المؤسسات تُفرغ من مضمونها، والقوانين تُطبَّق بانتقائية، والموارد تُدار بمنطق الغنيمة الخاصة لا بمنطق الملكية العامة. وهكذا يتراجع الأداء العام حتى في أبسط الوظائف.
ربما يدعو البعض إلى القبول بالوضع الراهن والتوقف عنده من اجل الحفاظ على ما تحقق. غير أن هذا الأمل مخالف لمنطق الفساد ذاته.
فالفساد بطبيعته تمددي اقتحامي، وكل مساحة يجتاحها تتحول إلى نقطة انطلاق لهيمنة أوسع. ومع غياب المحاسبة، تتضاعف الثروات غير المشروعة، وتتطور أساليب الالتفاف على القانون، ويغدو الإصلاح استثناءً لا قاعدة.
في الشارع هناك اعتراض على الفساد، ومعرفة عامة بحجمه واشكاله وما يحققه من تمدد، لكن الناس عاجزون عن تحويل اعتراضهم إلى قوة ضغط جادة تساند المصلحين او تخيف الفاسدين.
والمفارقة المؤلمة أن الناس قد يكونون مستعدين لفقدان قوت يومهم، وفقدان مساكنهم، وفقدان أمنهم بسبب الفساد، ومع كل ذلك يكتفون بالرفض الكلامي للفساد. هذه الفجوة بين الإدراك والفعل تمنح قوى الفساد شعوراً بالاطمئنان، بل وتشجعها على مزيد من التمادي.
ومع مرور السنوات، تزداد الفجوة والقطيعة بين الناس والطبقة السياسية اتساعاً. يتآكل رصيد الثقة، وتتراكم مشاعر السخط، وتتحول الكراهية الصامتة إلى استعداد للعداء. وحين تنفصل السياسة عن المجتمع، تصبح الدولة شكلاً بلا مضمون، وتفقد قدرتها على تمثيل الإرادة العامة.
الأخطر من ذلك أن استمرار الفساد يخلق بيئة خصبة لتلاقي المصالح مع قوى خارجية. فكلما ضعفت المناعة الداخلية، ازداد التفاهم غير المعلن بين قوى الفساد وبعض الأطراف الأجنبية، حماية مقابل تنازلات، ودعم مقابل امتيازات. وعند هذه النقطة لا يعود الفساد شأناً إدارياً بل يتحول إلى مسألة سيادة وقرار وطني.
أحد الحلول الممكنة يتمثل في تقوية نفوذ الشرفاء في السلطة والالتفاف حولهم ودعمهم، ليس بوصفهم أفراداً معصومين، بل باعتبارهم نقاط ارتكاز داخل المنظومة يمكن البناء عليها. فالإصلاح لا يولد من الفراغ، بل من تعزيز العناصر السليمة، ومنحها غطاءً شعبياً يحميها من العزلة والاستهداف.
إن معركة مكافحة الفساد ليست معركة أخلاقية فحسب، بل معركة بقاء. فإما أن يُعاد بناء الدولة على أساس النزاهة والمساءلة، أو يستمر التآكل حتى يصبح الانهيار نتيجة طبيعية لمسار طويل من التساهل والصمت.




