خارطة طريق أمريكية لتحديد بوصلة العراق..!
قاسم الغراوي ||
كاتب وصحافي

قراءة تحليلية في المبادئ السبعة لإعادة تشكيل النظام السياسي
في لحظة إقليمية شديدة السيولة، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ وتتصاعد المنافسة على إعادة رسم موازين القوة، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تعيد تعريف مقاربتها تجاه العراق ، ليس من بوابة التدخل العسكري المباشر، بل عبر صياغة “خارطة طريق سياسية” قائمة على مجموعة مبادئ تهدف إلى إعادة توجيه البوصلة الداخلية للدولة العراقية.
هذه المبادئ، التي يجري تداولها ضمن الأوساط الدبلوماسية والسياسية، لا يمكن قراءتها كبرنامج إصلاح تقني بقدر ما هي إطار استراتيجي لإعادة هندسة التوازنات السياسية بما يتوافق مع رؤية واشنطن لمستقبل العراق ودوره الإقليمي.
أولاً: ترسيخ مفهوم الدولة مقابل اللادولة
المبدأ الأول يتمثل في إعادة الاعتبار لاحتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي.
واشنطن تدرك أن وجود مراكز قوة موازية يقوض مفهوم الدولة ويجعل القرار العراقي عرضة للتشظي ، والهدف هنا ليس فقط أمنياً، بل سياسي بالدرجة الأولى، إذ أن الدولة الموحدة هي وحدها القادرة على أن تكون شريكاً استراتيجياً مستقراً.
ثانياً: إصلاح النظام السياسي من داخل بنيته
لا تسعى واشنطن إلى تغيير النظام السياسي جذرياً ، بل إلى إعادة ضبط سلوكه والإصلاح هنا يعني تقليل تأثير الانقسامات الطائفية والإثنية على عملية اتخاذ القرار، وتعزيز منطق المؤسسات بدل منطق التوافقات الهشة وهذا يعكس قناعة أمريكية بأن أزمة العراق ليست في النصوص الدستورية بقدر ما هي في طريقة تشغيل النظام.
ثالثاً: إعادة تعريف العلاقة بين بغداد وواشنطن
تسعى الإدارة الأمريكية، بقيادة ترامب إلى تحويل العلاقة من علاقة أمنية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والطاقة والتعليم واما الهدف فهو تقليل اعتماد العراق على الفاعلين الإقليميين المنافسين، وتحويله إلى نقطة توازن بدلاً من ساحة صراع.
رابعاً: تقليص نفوذ القوى الخارجية المنافسة
لا يمكن فصل هذه الخارطة عن الصراع الجيوسياسي مع ايران ، فواشنطن ترى أن استقرار العراق يمر عبر تقليص تأثير القوى التي تعمل خارج إطار الدولة وهذا لا يعني بالضرورة المواجهة المباشرة، بل استخدام أدوات سياسية واقتصادية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية.
خامساً: دعم الاقتصاد كمدخل للاستقرار السياسي
الاستقرار السياسي، وفق الرؤية الأمريكية، يبدأ من الاستقرار الاقتصادي لهذا يجري التركيز على إصلاح القطاع المالي، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط. فالدولة الضعيفة اقتصادياً تبقى عرضة للابتزاز السياسي الداخلي والخارجي.
سادساً: تعزيز دور المؤسسات الأمنية الرسمية
تدرك واشنطن أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على فرض القانون ولهذا يتم التركيز على دعم المؤسسات الأمنية الرسمية، ليس فقط بالتدريب والتجهيز، بل بإعادة تعريف عقيدتها لتكون ولاءاتها وطنية لا فئوية.
سابعاً: إعادة دمج العراق في النظام الإقليمي والدولي
المبدأ الأخير يتمثل في إعادة تموضع العراق كفاعل إقليمي متوازن، لا كمنطقة نفوذ وهذا يشمل تشجيع انفتاحه على محيطه العربي والدولي، وتحويله إلى جسر توازن بدلاً من خط تماس.
هذه المبادئ السبعة تعكس تحوّلاً مهماً في التفكير الأمريكي ، فبدلاً من محاولة السيطرة المباشرة، تسعى واشنطن إلى “تشكيل البيئة السياسية” بطريقة تجعل النظام العراقي ينتج تلقائياً قرارات تتوافق مع المصالح الأمريكية.
إنها استراتيجية “التوجيه غير المباشر”، حيث يتم التأثير على قواعد اللعبة بدلاً من التحكم بنتائجها.
كما أن هذه الخارطة تعكس إدراكاً أمريكياً لحقيقة أساسية وهي ان العراق ليس مجرد دولة، بل عقدة جيوسياسية. استقراره أو اضطرابه يؤثر على أمن الخليج، وتوازن القوى مع إيران، ومستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
المعضلة الأساسية لا تكمن في وجود خارطة طريق أمريكية، بل في قدرة العراق على امتلاك خارطته الخاصة ، فالدول التي لا تحدد مسارها بنفسها تصبح مساراتها محددة من قبل الآخرين.
خارطة الطريق الأمريكية ليست بالضرورة مشروع احتلال جديد، لكنها بالتأكيد مشروع إعادة توجيه ونجاحها أو فشلها لا يعتمد فقط على واشنطن، بل على قدرة النخب العراقية على التحول من موقع الاستجابة إلى موقع المبادرة.
هل السؤال هو ماذا تريد أمريكا من العراق؟
او ماذا يريد العراق أن يكون في عالم يعاد تشكيله من جديد؟




