الجمعة - 15 مايو 2026

مخطط إسرائيل في “الشرق الأوسط الجديد”.. قراءة تحليلية في التحوّل الاستراتيجي وإعادة تشكيل الإقليم..!

منذ 3 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

الشيخ أكبر علي الشحماني ||

مقدّمة
لم يعد الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد” مجرّد توصيف إعلامي، بل تحوّل إلى إطار تحليلي يُستخدم لفهم إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وفي قلب هذا التحوّل تقف إسرائيل باعتبارها فاعلًا يسعى إلى تثبيت موقعه كقوة مركزية لا كدولة محاصَرة.
فكيف يُفهم المخطط الإسرائيلي في سياق هذا الشرق الأوسط المتحوّل؟ وهل نحن أمام مشروع متكامل، أم أمام إدارة براغماتية للفرص التاريخية؟
أولًا: من عقيدة البقاء إلى عقيدة الهيمنة
منذ تأسيسها عام 1948، قامت الاستراتيجية الإسرائيلية على مبدأين: التفوق العسكري النوعي، ونقل المعركة خارج حدودها. لكن بعد التحولات الكبرى التي أعقبت عام 2011، انتقلت هذه العقيدة من مجرد “البقاء” إلى “إعادة تشكيل البيئة المحيطة”.
الهدف لم يعد فقط منع الهزيمة، بل صناعة واقع إقليمي تكون فيه إسرائيل عنصرًا طبيعيًا في المعادلة السياسية والأمنية والاقتصادية.
ثانيًا: تحييد الخصوم الإقليميين
يشكّل الصراع مع إيران محورًا رئيسيًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. ترى تل أبيب أن التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان يشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ولذلك اعتمدت سياسة “المعركة بين الحروب”، أي توجيه ضربات استباقية محدودة لمنع تراكم القدرات لدى خصومها دون الانجرار إلى حرب شاملة.
في الوقت ذاته، سعت إسرائيل إلى تفكيك مفهوم “الجبهة الواحدة”، بحيث يبقى كل ساحة منفصلة عن الأخرى، ما يمنع تشكّل تحالف عسكري متكامل ضدها.
ثالثًا: التطبيع كمدخل لإعادة التموضع
شكّلت اتفاقيات أبراهام نقطة تحوّل مفصلية، إذ نقلت إسرائيل من حالة “السلام البارد” إلى مسار اندماج اقتصادي وأمني مباشر مع عدد من الدول العربية.
هذا التحول لم يكن رمزيًا فقط، بل أتاح:
تعاونًا أمنيًا في مواجهة التهديدات الإقليمية.
شراكات في مجالات التكنولوجيا والطاقة والمياه.
إعادة تعريف أولويات الصراع في المنطقة.
بمعنى آخر، جرى نقل مركز الثقل من الصراع العربي–الإسرائيلي إلى صراع إقليمي أوسع، ما خفّف من العزلة التاريخية التي عانت منها إسرائيل.
رابعًا: الاقتصاد بوصفه أداة نفوذ
في “الشرق الأوسط الجديد”، لا يُختزل النفوذ بالقوة العسكرية فقط. تعمل إسرائيل على:
استثمار حقول الغاز في شرق المتوسط.
الانخراط في مشاريع الربط التجاري بين آسيا وأوروبا.
تسويق تفوقها في الأمن السيبراني والتقنيات الزراعية.
هذا الدمج الاقتصادي يمنحها موقعًا يصعب تجاوزه في أي معادلة إقليمية مستقبلية.
خامسًا: إدارة الصراع الفلسطيني
لم يعد الطرح الإسرائيلي يركّز على تسوية نهائية شاملة، بل على إدارة طويلة الأمد للصراع. تقوم هذه المقاربة على:
تقليص أبعاد القضية سياسيًا.
تحسين شروط الحياة الاقتصادية للفلسطينيين دون تقديم تنازلات سيادية كبرى.
الحفاظ على تفوق أمني دائم في الضفة وغزة.
بهذا المعنى، يصبح “إدارة الصراع” جزءًا من مشروع أوسع لإعادة ترتيب المنطقة.
سادسًا: العلاقة مع الولايات المتحدة
لا يمكن فهم المخطط الإسرائيلي بمعزل عن الدعم الأميركي. فـ الولايات المتحدة توفّر الغطاء السياسي والدعم العسكري والتقني، فيما تمثل إسرائيل قاعدة متقدمة للمصالح الغربية في المنطقة.
غير أن التحولات في أولويات واشنطن — خاصة مع صعود الصين وتراجع الانخراط المباشر في الشرق الأوسط — دفعت إسرائيل إلى البحث عن شراكات إقليمية تعوّض أي تراجع محتمل في الحضور الأميركي.
خاتمة: مشروع قيد التشكل
ليس هناك وثيقة واحدة تُسمّى “المخطط الإسرائيلي للشرق الأوسط الجديد”، لكن الوقائع تشير إلى مسار واضح يقوم على:
تثبيت التفوق العسكري النوعي.
توسيع دائرة التطبيع والاندماج الاقتصادي.
تحجيم الخصوم الإقليميين.
إدارة الصراعات بدل حسمها.
إنه مشروع يتقدّم تدريجيًا عبر الوقائع، لا عبر الشعارات، ويستفيد من التحولات العميقة التي أصابت بنية الدولة الوطنية العربية خلال العقد الأخير.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ينجح هذا المشروع في فرض معادلة استقرار طويل الأمد، أم أن المنطقة ستظل ساحة تنازع مفتوح بين مشاريع متقابلة؟
إذا رغبت، أستطيع صياغته بصيغة أكثر حدة سياسية، أو إدخاله في إطار نقدي مقاوم، أو تحويله إلى دراسة استراتيجية معمّقة مع هوامش ومراجع مناسبة للنشر الأكاديمي.