الخميس - 14 مايو 2026

توماس دي توركيمادا ومحاكم التفتيش: الدين حين يتحوّل إلى أداة إبادة..!

منذ 3 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

الشيخ أكبر علي الشحماني ||

مقدمة
يُعدّ القرن الخامس عشر في إسبانيا من أكثر المراحل التاريخية ظلمةً من حيث توظيف الدين في العنف المنظّم. وفي قلب هذه المرحلة يبرز اسم توماس دي توركيمادا بوصفه أحد أخطر رموز التعصّب الديني في التاريخ الأوروبي، والرجل الذي حوّل محاكم التفتيش من أداة كنسية إلى ماكينة قمع شاملة استهدفت المسلمين واليهود والمسيحيين المخالفين على حدّ سواء، تحت شعار “نقاء العقيدة”.

الجذور الفكرية والشخصية
وُلد توركيمادا سنة 1420 في مملكة قشتالة، في أسرة يُرجَّح أن لها أصولًا يهودية اعتنقت المسيحية قسرًا، وهو ما يفسّر –وفق كثير من الباحثين– عقدة “إثبات الإيمان” التي لازمته طيلة حياته. نشأ في بيئة كاثوليكية متشددة، وانخرط مبكرًا في الحياة الرهبانية بدير سانتا كروز في شقوبية، حيث تبلورت رؤيته الصدامية مع كل ما هو “آخر” دينيًا.

توركيمادا والسلطة: من راهب إلى مهندس دولة
شكّل لقاؤه بالأميرة إيزابيلا الأولى نقطة التحول الحاسمة في مسيرته. لم يكن مجرد واعظ ديني، بل أصبح معلّمها الروحي ومستشارها العقائدي، ونجح في غرس رؤية تقوم على أن وحدة الدولة لا تتحقق إلا بوحدة العقيدة.

وبمباركته، تمّ زواج إيزابيلا من فرناندو الثاني سنة 1469، وهو زواج سياسي-ديني أدى إلى توحيد تاجي قشتالة وأراغون، وولادة إسبانيا الكاثوليكية المركزية. هذا الاندماج لم يكن حدثًا عاديًا، بل لحظة مفصلية غيّرت مسار تاريخ الأندلس وأوروبا.
سقوط الأندلس وتأسيس محاكم الرعب

بعد سقوط غرناطة سنة 1492، لم يكن هدف السلطة الجديدة الاكتفاء بالانتصار العسكري، بل الشروع في “التطهير العقدي”. وهنا مُنح توركيمادا صلاحيات مطلقة، ليصبح أول “محقق عام” لمحاكم التفتيش الإسبانية.

أنشأ شبكة محاكم في مدن الأندلس، مهمتها فحص “صدق” تنصّر المسلمين واليهود. وكان الشك وحده كافيًا لبدء سلسلة من التحقيقات التي تنتهي غالبًا بالتعذيب أو الإعدام.

منهج التعذيب: حين يفقد الدين إنسانيته
تميّزت مرحلة توركيمادا بابتكار وسائل تعذيب ممنهجة، استهدفت كسر الإرادة قبل الجسد. وكان التركيز واضحًا على نساء المسلمين، بوصفهن “الحلقة الأضعف”، لإجبارهن على الاعتراف أو الوشاية بذويهن.

شملت الأساليب:
الإيهام بالغرق
التعذيب الجنسي
الحبس الانفرادي الطويل
الحرق العلني في طقوس Auto-da-fé (“فعل الإيمان”)

وتشير تقديرات تاريخية إلى إشرافه على إحراق نحو 17 ألف إنسان أحياء، فضلًا عن مئات الآلاف الذين تعرّضوا للسجن والمصادرة والنفي.

إبادة المعرفة: حرق المخطوطات الأندلسية
لم يقتصر العنف على البشر، بل طال الذاكرة والحضارة. فقد أشرف توركيمادا على جمع وإحراق مئات الآلاف –وربما مليون– مخطوطة عربية في غرناطة، في واحدة من أكبر جرائم محو المعرفة في التاريخ الإنساني، استهدفت العلوم والفلسفة والطب والفلك.
نهاية الرجل وبقاء الأسطورة السوداء

على الرغم من شكاوى واسعة وصلت إلى البابوية من مسيحيين تضرروا من وحشيته، ظل توركيمادا محميًا حتى تقاعده الشكلي في دير أفيلا، حيث توفي لاحقًا. المفارقة التاريخية أن قبره نُبش عام 1832، وأُحرقت عظامه، في مشهدٍ رآه كثيرون “عدالة رمزية متأخرة”.

خاتمة
يمثّل توماس دي توركيمادا نموذجًا تاريخيًا صارخًا لانحراف الدين حين يتحالف مع السلطة المطلقة. لم يكن مجرد رجل دين متعصّب، بل مهندس مشروع إقصائي دموي، حوّل الإيمان إلى أداة قمع، والاختلاف إلى جريمة وجود.

إن دراسة تجربته ليست نبشًا في الماضي فحسب، بل تحذير دائم من تكرار المأساة حين يُختزل الدين في هوية قاتلة، وتُختزل الدولة في عقيدة واحدة.