إعادة تموضع أميركي واسع: البحر المتوسط بوابة المواجهة المحتملة..!
ناجي الغزي/كاتب سياسي ||

التحركات الأميركية الجارية لا يمكن فهمها بوصفها إجراءً عسكرياً منفصلاً، بل تأتي ضمن إعادة انتشار شاملة تعكس تحولات أعمق في موازين النظام الدولي، حيث تتداخل ثلاث جبهات رئيسية: إيران، أوكرانيا، والصين. نحن أمام بناء عسكري متدرج ومتراكم، وتوسيع متعمد لمسارح العمليات بين البحر المتوسط والشرق الأوسط، بما يوفّر جاهزية كاملة لأي قرار عسكري محتمل. الرسالة الأميركية واضحة: الخيار لم يُحسم بعد، لكن جميع الأدوات أصبحت جاهزة، وأي تطور سياسي أو أمني قد ينقل هذا الحشد من مستوى الردع إلى مستوى التنفيذ.
في هذا المقال، لا أتناول أساليب الردع أو المواجهة الإيرانية، رغم التفاوت الواضح في موازين القوة والإمكانات، سبق أن كتبت مقالات لقدرات إيران وخياراتها المحتملة. ما أسعى لمناقشته هنا هو التحركات الأميركية الأخيرة، ودلالاتها الاستراتيجية، وما تعكسه من إعادة تموضع عسكري وسياسي، والرسائل التي تحملها في سياق التصعيد الإقليمي وإعادة تشكيل مسار المواجهة المحتملة.
*أولاً: الحشد العسكري الأمريكي ورسائله*
إعلان توجّه حاملة الطائرات جيرالد فورد USS Gerald R. Ford إلى الشرق الأوسط ليس إجراءً روتينياً. هذه الحاملة تمثل ذروة ما وصل إليه التطور العسكري البحري الأمريكي، باعتبارها أكبر حاملة طائرات في التاريخ، مما تؤدي الى إزاحة مائية تقارب 100 ألف طن من البحر، ومنظومات رادار وكهرباء وإطلاق طائرات غير مسبوقة. وقدرة تشغيلية تصل إلى نحو 75 طائرة ومروحية، مصممة لفرض السيطرة الجوية الكاملة ودعم أي حملة جوية واسعة. وجودها، بالتزامن مع تمركز ابراهام لينكولن USS Abraham Lincoln في بحر العرب، يعني أننا أمام بيئة عمليات عسكرية متكاملة وليست مجرد استعراض قوة.
*ثانياً: الصين – لاعب صامت لكنه خطير*
في المقابل، ظهور سفينة صينية تُعرّف رسمياً كسفينة أبحاث، ويُشار إليها باسم يان ونج Yuan Wang وهذا يفتح باباً واسعاً للشكوك. وحسب التقارير البحرية، التي نقلتها صحيفة South China Morning Post، حيث تشير إلى أن هذه السفن تُستخدم في: الرصد الإلكتروني، وتتبع الصواريخ والاتصالات، وجمع بيانات عسكرية حساسة. وترافقها مدمرات صينية من طراز Type 055 التحليلات تؤكد أن الأمر ليس نشاطاً علمياً بريئاً. الصين لا تبحث عن حرب، لكنها تبحث عن معلومة، والمعلومة اليوم تساوي نصف المعركة.
*ثالثاً: لماذا إيران هي الورقة الأخيرة للصين؟*
إيران تمثل للصين آخر مخزون استراتيجي للنفط الرخيص بعد تعقّد المشهد في فنزويلا.
المعادلة واضحة: الصين تحصل على نفط بأسعار تفضيلية، وإيران تحصل على تكنولوجيا، ودعم تقني دفاعي، ومظلة سياسية غير مباشرة.
لكن هذا لا يعني أن الصين ستنخرط في حرب إقليمية، بل يعني أنها: تراقب وتحسب وتستثمر في نتائج الصراع أياً كان اتجاهه.
*رابعاً: مضيق هرمز… العقدة الحاسمة في معادلة الصراع*
لا يُعدّ مضيق هرمز مجرد ممر ملاحي عادي، بل هو العصب الحيوي للطاقة العالمية، إذ تمر عبره قرابة 40% من تجارة النفط المنقولة بحراً. وأي تهديد لأمنه ينعكس فوراً بارتفاعات حادة في أسعار النفط، واضطراب سلاسل الإمداد، وإحداث صدمة في الأسواق المالية العالمية.
في هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الأميركية الأخيرة والاحتكاكات البحرية قرب المياه الإيرانية والعُمانية على أنها إجراءات استباقية تهدف إلى تأمين المضيق قبل أي مواجهة محتملة. فواشنطن تدرك أن أي عمل عسكري ضد إيران قد يدفع طهران إلى إغلاق المضيق، ما سيؤدي إلى إرباك عميق في أسواق الطاقة، ويضغط بقوة على الاقتصادات الأوروبية، ويهزّ البورصات العالمية.
في المقابل، تلوّح إيران بالمضيق كورقة ردع مركزية، إذ أعلنت عن مناورات مشتركة مع روسيا والصين، وعملت على تعزيز منظومات الرصد والدفاع في محيط المضيق، في رسالة واضحة مفادها أن أمن الطاقة العالمي سيبقى رهينة مسار الصراع.
*خامساً: طبيعة الضربة المحتملة – والردع الإيراني المقابل*
لم يعد الحديث يدور عن ضربة أميركية واحدة ومحدودة ضد إيران، بل عن سيناريو مركّب من مرحلتين.
المرحلة الأولى تستهدف شلّ منظومات الدفاع الجوي، وضرب منصات الصواريخ ومراكز الإطلاق، بهدف تحييد القدرة الإيرانية على الرد السريع.
أما المرحلة الثانية، فتركّز على استهداف قيادات الصف الأول ومراكز القيادة والسيطرة، لإحداث فراغ في القرارين العسكري والسياسي.
في المقابل، يقوم الردع الإيراني على منع الوصول إلى هذه المراحل أو رفع كلفتها إلى حدّها الأقصى، سواء عبر التهديد بتوسيع نطاق الرد، أو ضرب المصالح الحيوية، أو تعطيل ممرات الطاقة. كما أن الطلب الأميركي المكثف على القنابل الخارقة للتحصينات، القادرة على اختراق أعماق كبيرة تحت الأرض، يؤكد أن الأهداف المتوقعة ليست سطحية، بل منشآت محصنة ومراكز استراتيجية، وهو ما يفسّر تمسّك إيران بعقيدة الردع كخط الدفاع الأول قبل أي مواجهة مفتوحة.
*سادساً: لماذا ترفض إسرائيل أي اتفاق جزئي مع إيران؟*
الاجتماع الأخير بين ترامب والنتن ياهو، قراءته تعني نحن لسنا أمام تنسيق تكتيكي، بل أمام تخطيط طويل الأمد. هذه الاجتماعات لا تُعقد فقط لمراجعة ما جرى، بل لتقييم أين أصابوا؟ وأين أخفقوا؟ وكيف ينتقلون إلى المرحلة التالية؟ ولهذا: ترامب خرج بتغريدة دبلوماسية مبهمة. ونتنياهو اختار الصمت الكامل. هذا توزيع أدوار، لا اختلاف مواقف.
والاتفاق النووي بين أمريكا وإيران هو أسوأ كابوس من المنظور الإسرائيلي، حتى لو أغلق الملف النووي كلياً!! لأنه يرفع العقوبات عن إيران. لماذا؟ لان العقوبات هي السلاح الحقيقي لإسرائيل، وليس الطائرات.
الاقتصاد الإيراني تريده اسرائيل يصبح حاضنة الاحتجاج، وقاعدة الاختراق، وأداة التفكيك الداخلي. زمن هنا ندرك أن إسرائيل لا تريد إسقاط البرنامج النووي فقط، بل تريد إعادة إيران إلى الداخل… كساحة صراع.




