الخميس - 14 مايو 2026
منذ 3 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : ( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ )

بغداد ، حيث تختلط رائحة الخبز مع صوت الاذان ، في مدينة الحرية التي سُقيت بدماء الأحرار ،ولد علي كريم حسن سلمان الفريداوي عام 1983.

كبر علي بين دفاتر المدرسة واحلام المستقبل حتى التحق بمعهد اعداد المعلمين ونال شهادة الدبلوم، مؤمناً أن بناء الإنسان لايقل قداسة عن بناء الاوطان فكرياً وعقائدياً ،عمل في أكثر من مهنة آخرها بيع ملابس الاطفال وكأن القدر أراد له أن يلامس براءة الطفولة قبل أن يودع الدنيا.

لم يكن مجرد معلم يقف أمام السبورة بل كان وطناً يمشي على قدمين كان يغرس في عقول تلاميذه حروف العلم ويزرع في قلوبهم معنى الكرامة ،حتى ناداه الواجب لم يتردد وترك طباشير المدرسة وحمل بندقية الدفاع وانتقل من ساحة الدرس إلى ساحة الشرف ليكتب بدمه الطاهر أعظم درس في التضحية فكما وقف أمام السبورة معلماً وقف للوطن سدا منيعا ضد الإرهاب التكفيري الذي كان يستهدف العراقيين بسياراته المفخخة ،

فإنضم في عام 2005 إلى صفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق، بعدما أيقن أن الجهاد ليس فقط على الثغور، بل هو في الموقف والكلمة والنية، ولم يكن الانتظار طويلًا، ففي 28 أيلول من عام 2006، دقت ساعة التضحية، ذلك اليوم المشؤوم حين أحاطت قوى الشر بمكتب السيد الشهيد في منطقة الحرية، زرعوا سيارة مفخخة بالقرب منه، ظنوا أنهم سيكسرون إرادة المؤمنين، وسينشرون الرعب بين أبناء المدينة، انفجرت السيارة، واهتزت الجدران، وتطاير الغبار، وسُمع صراخ الأبرياء.

عندما دوّى صوت الانفجار، لم يختبئ علي ولم يفرّ، بل هرع مع رفاقه إلى عين النار، لم يكن يحمل سوى يقينه، وخطى سريعة تسبق التفكير ،اشتبكوا مع المهاجمين، وكان اشتباكًا غير متكافئ من حيث السلاح، لكنه متكافئ جدًا من حيث العقيدة والإرادة ،في ذلك اليوم ارتقى علي كريم حسن شهيدًا، بعد أن وقف في وجه محاولة إبادة جماعية، وفدّى نفسه عن المكتب المطهر، وعن من فيه، استشهد مع اثنين من رفاقه،

لكن صدى دمائهم ظل حيًا، شاهقًا، يقاوم النسيان ،رحل علي وهو لا يملك من الدنيا شيئًا سوى قلبه الطاهر، وكلمة أخيرة أوصى بها : “لا تذكروا أحدًا بسوء.. وتذكروا أن الملائكة تسجل علينا كل شيء” ، كانت كلماته الأخيرة رسالة خالدة، لا تحمل فقط عبق الشهادة، بل نقاء النفس، وسماحة الروح، وعلو المقام.

علي آمن أن الوطن اكبر من الوظيفة ، وان الارض والعرض أقدس من أن يُترك نهباً للغزاة ،ترك دفاتر الطلاب لكنه فتح كتاب الخلود ووقع أسمه في سجل المجد بحبر من نور ودم ،وهكذا أثبت لنا علي أن المعلم الحقيقي لايُعلم بالكلمات فقط بل بالمواقف وان أعظم الدروس هي تلك التي تكتب بالتضحية.