إعادة هندسة النفوذ الاقليمي للجولاني.. من هو ضابط الايقاع؟!
د. ماجد الشويلي ||

تشهد الساحة السورية، تحولات ميدانية واستراتيجية اقليمية لافتة. فخلال الأشهر الأخيرة، كثّف الجولاني من تحركاته على الحدود العراقية ، ورفع مستوى جاهزية قواته العسكرية، وحصل على تجهيزات تقنية متطورة، بما في ذلك طائرات مسيّرة حديثة، وأنظمة رصد واتصال وعتاد متقدم.
هذا التطور يأتي –وفق تقديرات إقليمية واسعة– تحت مظلة دعم متشابك الأطراف يضم تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، في اطار هندسة إقليمية جديدة هدفها إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة لحساب المشروع الصهيو امريكي مابعد نهاية المفاوضات النووية بين ايران وامريكا ايا كانت نتيجتها.
وتشير المعطيات الميدانية إلى تزويد تركيا للجولاني بمنظومات مراقبة وطائرات مسيّرة وقدرات لوجستية متنامية. هذا الدعم يأتي في إطار سعي أنقرة إلى تحويل سوريا الى قوة قادرة على لعب دور جيوسياسي يتجاوز حدودها ، وصولاً إلى دور وظيفي إقليمية مشترك بين اسرائيل وامريكا وتركيا.
فالاخيرة تنظر إلى هذه القوة كأداة حاجزة بوجه النفوذ الإيراني ، وكمكوّن قد يشكل ثقلاً في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
وعلى ما يبدو أنّ مسار تعزيز قدرات الجولاني يجري تحت إشراف غير مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل، ضمن إطار أوسع يهدف إلى تقويض محور المقاومة الممتد من إيران إلى العراق ولبنان.ومحاصرة النفوذ الإيراني مع إعادة رسم خطوط التماس بطريقة تمنع حصول تواصل جغرافي سلس بين طهران وبيروت.
اضافة الى بناء قوة سورية مسلحة قادرة على لعب دور استثماري بين العراق ولبنان، بما يشبه “خط صد” يمنع أي تمدد عسكري أو لوجستي إيراني عبر الأراضي السورية.
بهذا المعنى، يجري إعداد ما يمكن تسميته بـ”جيش السفياني”
لكن بعيداً عن البعد العقائدي، فإن المقصود هنا قوة محلية يجري تأهيلها لتكون تهديداً جدياً للعراق ولحزب الله في أي مواجهة مستقبلية.
والنتيجة أن الشيعة يتعرضون لواحدة من أصعب مراحل إعادة التموضع الاستراتيجي.
فعلى الرغم من محاولاتهم تحقيق توازنات فعالة مع دول الإقليم والولايات المتحدة، إلا أنّ واشنطن تنظر إليهم وللعراق تحديدا –وفق قراءة جيوسياسية راسخة– كجزء من البيئة الأمنية الإيرانية، وليس كجسر تواصل مستقل بينها وبين العالم العربي.
وفي ظل تعاظم قوة الجولاني المسيطر عليها امريكيا واسرائيليا، واشتداد الضغط السياسي والاقتصادي على الداخل العراقي، قد يصبح العراق أمام نوع من العزلة الإقليمية والدولية، سواء اختار الانفتاح الواسع أو الانكفاء الحذر .
وفي ظل هذه المعطيات ، تواجه إيران صعوبة ملموسة في إعادة تأهيل حلفائها . لكنهاً في الوقت نفسه تمتلك شبكة تحالفات ثابتة، وفضاءً اقتصادياً وسياسياً واسعاً شرقاً نحو آسيا وروسيا.
ومع ذلك، فإن فصل العراق عن المحور الإيراني –سياسياً وعسكرياً وأمنياً– يبدو هدفاً مركزيا مشتركا لكل من الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، تمهيدا لتطبيق مشروع تطويق النفوذ الإيراني واعادة هندسة التوازنات الاقليمية من جديد.
تتردد في الأوساط الشعبية روايات عن “سيناريو السفياني”، لكن بغضّ النظر عن الصيغ الدينية أو الرمزية، فإن الواقع الجيوسياسي يؤكد وجود تحضير لقوة سورية جديدة تمتلك وظيفة إقليمية تتجاوز حدودها .
وقد يكون هذا التصور الروائي –بمفهومه العسكري والسياسي– قد تحول إلى نموذج استراتيجي تلقفته القوى المعادية لإيران ومحورها، وبدأت بتطبيقه بصورة عملية على الأرض.
وعليه فأنّ المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الاصطفافات تتحول فيها سوريا الى اسرائيل اخرى مجاورة للعراق .




