الخميس - 14 مايو 2026
منذ 3 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

ليست القيم الإنسانية عبارات تُرفع في الخطب أو تُزين بها البيانات الرسمية ، ولا هي شعارات تُستحضر في مواسم الأزمات ثم تُنسى مع أنحسارها ، القيم في معناها العميق تُقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك يومي ، وسياسات مُنضبطة ، ومواقف عملية يُمكن رصدها والتحقق منها ، وما لم تنتقل من حيز التنظير إلى حيز التطبيق تبقى مُجرد خطاب حسن الصياغة محدود الأثر .

في البيئات السياسية والاجتماعية التي تمر بظروف معقدة كما هو حال العراق وعدد من دول المنطقة تتضاعف أهمية هذا التمييز بين القول والفعل ، فالمجتمعات التي عانت من أزمات مُتراكمة إقتصادية أو أمنية أو خدمية لم تعد تكتفي بسماع التعهدات ، بل باتت أكثر ميلاً إلى أختبار صدقية أي خطاب من خلال نتائجه الملموسة ، وهنا تحديداً تتجلى الفجوة التي قد تنشأ بين المُعلن والمُطبق ، بين المبادئ المرفوعة والقرارات المُنفذة .

فالقيم مثل العدالة ، والشفافية ، والنزاهة ، والمسؤولية الاجتماعية ، ليست مفاهيم تجريدية ، فالعدالة تظهر في آليات التعيين والترقية وتكافؤ الفرص .

والشفافية تتجسد في وضوح الإجراءات وإتاحة المعلومات .
والنزاهة تُقاس بسلامة القرار العام من تضارب المصالح .
والمسؤولية تتجلى في تحمّل تبعات الخطأ قبل نسب الإنجاز .

وعندما تغيب هذه المظاهر التطبيقية يتآكل المعنى الحقيقي للقيم مهما كانت اللغة المُستخدمة في توصيفها مُنمقة ودقيقة .

الخطاب العام في المنطقة غالباً ما يتضمن إشارات مُتكررة إلى الإصلاح والتنمية وحماية السيادة وصون الكرامة الإنسانية ، غير أن التحدي يكُمن في تحويل هذه المفردات إلى برامج قابلة للقياس ذات مؤشرات أداء واضحة ، تخضع للمراجعة الدورية ، فالمعيار المهني لصدقية أي توجه لا يُستمد من النوايا المُعلنة ، بل من قُدرة السياسات على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين سواء في مستوى الخدمات أو في أستقرار البيئة القانونية أو في تعزيز الثقة بالمؤسسات .

الثقة ، بوصفها ركيزة أساسية لأي نظام سياسي أو إداري لا تُبنى عبر الحملات الإعلامية ، بل عبر تراكم السلوك المُنضبط والمُتسق ، حين يُلاحظ المواطن أن المعايير تُطبق على الجميع من دون أستثناء ، وأن القانون يُنفذ بروح العدالة لا بروح الانتقائية ، تتعزز قناعته بأن القيم المُعلنة ليست مُجرد أدوات خطابية ، بل إطار حاكم للسلوك المؤسسي .

أما إذا شعر بتباين بين الخطاب والمُمارسة ، فإن فجوة الثقة تتسع تدريجياً ويصبح ترميمها أكثر تعقيداً .

في السياق العراقي ، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية ، تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة مُؤسسية تجعل من القيم مرجعية عملية لا مجرد عنوان سياسي ، فالبيئة الإقليمية الراهنة تتسم بحساسية عالية ، وتوازنات دقيقة ، ومنافسة على النفوذ والمصالح ، وفي مثل هذا المناخ تصبح مصداقية الدولة داخلياً وخارجياً عُنصراً حاسماً في قدرتها على التفاوض ، وجذب الاستثمار ، وبناء الشراكات المُستدامة ، وهذه المصداقية لا تُشترى بالتصريحات ، بل تُكتسب من خلال أنتظام الأداء وأستقرار القرار وأحترام الالتزامات .

إن التحدي الحقيقي أمام النُخب السياسية والإدارية لا يكمن في صياغة برامج طموحة ، بل في ضمان أتساقها مع منظومة قيم واضحة ، تُترجم إلى تشريعات عادلة ، وإجراءات شفافة ، ورقابة فاعلة ، فالبيئات التي تنجح في تحويل القيم إلى أنظمة عمل مُؤسسية هي الأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات ، لأنها تُؤسس لعلاقة تعاقدية مُستقرة بين الدولة والمجتمع قائمة على الحقوق والواجبات المُتبادلة .

كما أن الوعي المُجتمعي المُتنامي في العراق والمنطقة ، المدعوم بوسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل ، جعل عملية التدقيق في الأداء العام أكثر سرعة وعُمقاً لم يعد بالإمكان الفصل بين الصورة المُعلنة والواقع الفعلي ، لأن المعلومات تتداول بسرعة ، والتجارب تُقارن ، والنتائج تُحلل ، وهذا يفرض على صناع القرار إدراك أن الاتساق بين الخطاب والممارسة لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب ، بل ضرورة أستراتيجية للحفاظ على الاستقرار وتعزيز الشرعية .

القيم الإنسانية ، في جوهرها ليست عبئاً على الإدارة الرشيدة ، بل هي أداتها الأكثر فاعلية ، فعندما تُبنى السياسات على أساس أحترام الكرامة الإنسانية ، وتكافؤ الفرص ، وسيادة القانون ، فإنها تُنتج بيئة أكثر جاذبية للاستثمار ، وأكثر قُدرة على أحتواء التباينات الاجتماعية ، وأكثر أستعداداً للتفاعل الإيجابي مع محيطها الإقليمي ، أما الاكتفاء بالتصريحات دون بنية تطبيقية واضحة ، فيؤدي إلى إنهاك الخطاب نفسه وفقدان تأثيره .

من هنا ، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من النُخب السياسية والإدارية في العراق ، وفي عموم المنطقة ، مُقاربة أكثر واقعية وهدوءاً ، تقوم على مراجعة دورية للسياسات ، وقياس أثرها الفعلي ، والاعتراف بالقصور عند حدوثه ، والعمل على مُعالجته ضمن أُطر قانونية ومُؤسسية ، فالمسؤولية العامة ليست ساحة للمنافسة الخطابية ، بل ميدان لإدارة المصالح الوطنية بكفاءة وأتزان .

إن تحويل القيم من مستوى الشعارات إلى مستوى السلوك المُؤسسي هو المسار الأكثر أماناً لتعزيز الاستقرار ، وبناء دولة قادرة على مواجهة تحديات الداخل وتقلبات الإقليم ، فالناس قد تختلف في آرائها السياسية ، لكنها تتفق على معيار بسيط هو أن ما يُقال ينبغي أن ينسجم مع ما يُفعل ، وحين يتحقق هذا الانسجام ، تتراجع حدة التوتر ، وتتسع مساحة الثقة ، ويصبح الإصلاح عملية تراكمية مُمكنة لا وعداً مؤجلاً .

إذن فالقيم ، ليست زينة لغوية ، بل معيار قياس ، وكُلما أقترب الأداء العام من هذا المعيار ، أقتربت الدولة من تحقيق توازنها وأستقرارها ، إنها فهي دعوة هادئة إلى أن يكون الفعل هو البرهان ، وأن تُختصر المسافة بين الكلمة والموقف ، لأن في هذا الاختصار وحده تتجسد صدقية القيم وتترسخ شرعية المؤسسات …!