الاثنين - 15 يونيو 2026

حين يتفكك الداخل تُرسم الخرائط في الخارج.. من أزمة تشكيل الحكومة إلى إعادة تعريف موقعه الجيوسياسي..!

منذ 4 أشهر
الاثنين - 15 يونيو 2026

عباس خالد ||

في اللحظة التي ينشغل فيها الداخل العراقي بصراع تشكيل الحكومة وتفاصيل الحقائب والتوازنات، تتشكل في الخارج خرائط أوسع بكثير من حدود هذا الجدل. فالعراق اليوم لا يُقرأ في مراكز القرار الدولية بوصفه دولة تحتاج إلى الاستقرار، بل بوصفه عقدة جيوسياسية يمكن توظيفها داخل مشروع أشمل لإعادة هندسة المنطقة.

ومن هنا، لا تبدو أزمة تشكيل الحكومة شأناً داخلياً صرفاً، بل مفصلاً حساساً في صراع ممرات ونفوذ وخرائط طاقة واقتصاد.

المشكلة لا تكمن فقط في حجم الضغط الخارجي، بل في قابلية البيئة الداخلية لاستقبال هذا الضغط. فكلما تفككت الرؤية الوطنية الموحدة، وتوزع القرار السياسي بين مراكز متعددة، واحتدم الصراع على التفاصيل الصغيرة ازداد هامش المناورة أمام الأطراف الخارجية في هذه الفجوة تحديداً يتسلل التأثير الأميركي ليعمّق الانقسامات القومية والطائفية والسياسية والمناطقية ويحوّل ضعف القرار السياسي العراقي إلى أداة ضغط فاعلة لتمرير الصفقات والتفاهمات مع عرّابين محليين، كما تجلّى في محطات سابقة من تشكيل الحكومات حين أُضعف القرار الجامع وأُعطي انطباع عام بغياب الانسجام السيادي والرؤية الموحدة في إدارة الأزمات.

لقد أنتج النظام السياسي القائم بنية قرار موزعة تفتقد إلى مركز صلب قادر على امتصاص الصدمات.

ومع كل استحقاق حكومي تتحول عملية التشكيل إلى ساحة تجاذب مفتوحة تُستثمر فيها التناقضات الداخلية. وهنا لا يعود الاقتصاد ملفاً خدمياً، بل يتحول إلى أداة سيادية حساسة.

فارتباط عائدات النفط والمنظومة المصرفية العراقية بالرقابة الأميركية يمنح واشنطن ورقة ضغط شديدة التأثير يمكن تحريكها في اللحظات السياسية الحرجة لتوجيه مسار القرار في بغداد.

في هذا السياق، تبدو الرؤية الأميركية للعراق أقرب إلى مفهوم “الساحة الوظيفية” منها إلى “الشريك المستقر” فالعراق في الحسابات الاستراتيجية معبر للطاقة وعقدة وصل جغرافية بين الخليج وتركيا وسوريا وإيران وسوق اقتصادي مفتوح وقاعدة متقدمة لإدارة التنافس مع إيران وروسيا والصين. لذلك فإن الضغوط التي تُمارس عليه ليست طارئة أو مرتبطة بحكومة بعينها بل جزء من تصور طويل الأمد يضع العراق داخل مشروع “الشرق الأوسط الجديد” حيث تُدار الدول عبر شبكات الطاقة والاقتصاد والتحالفات الأمنية أكثر مما تُدار عبر الاحتلال العسكري المباشر.

ويتقاطع هذا التصور مع واقع إقليمي ملتهب تمثل سوريا أبرز نقاط تأثيره على العراق. فسوريا لم تعد مجرد دولة جارة بل خاصرة رخوة تتسرب منها احتمالات الإرهاب والصراع الإقليمي والتحولات الجيوسياسية.

طول الحدود وضعف السيطرة الفعلية عليها، واحتمال تنشيط خلايا داعش أو انتقال جماعات مسلحة، يجعل الأمن العراقي مرتبطاً عضوياً بما يجري هناك. وفي لحظة تشكيل الحكومة حيث تكون المؤسسات منشغلة بصراعاتها يتحول هذا الملف إلى عنصر ضغط إضافي يربك الداخل أمنياً وسياسياً.

في موازاة ذلك، يبرز ما يُعرف بـ“ممر داوود” بوصفه مشروعاً يتجاوز البعد الإسرائيلي إلى تصور أشمل لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة.

فهذا الممر الذي يربط إسرائيل بعمق المشرق وصولاً إلى كردستان العراق لا يستهدف العراق عسكرياً بقدر ما يستهدفه اقتصادياً وجيوسياسياً.

إنه يهدد الجدوى الاستراتيجية لميناء الفاو ولمشروع “طريق التنمية”، اللذين يسعى العراق من خلالهما إلى أن يكون ممراً سيادياً بين آسيا وأوروبا.

وفي حال نجاح هذه الممرات البديلة، سيتحول العراق من دولة تمتلك عقدة النقل إلى دولة تمر عبرها طرق يملك قرارها الآخرون.

ولا يمكن فصل ذلك عن التحول الهادئ في الثقل العسكري الأميركي باتجاه إقليم كردستان.

فهذا التحول لا يعكس اعتبارات أمنية فقط، بل يحمل دلالات سياسية عميقة مفادها أن العراق يُدار بوصفه كيانات متعددة أكثر من كونه دولة مركزية. ومع كل أزمة حكومية في بغداد، يزداد وزن الإقليم بوصفه “المنطقة الموثوقة” لإدارة العمليات ما يعزز مكانته شبه المستقلة، ويضعف قدرة المركز على فرض قراره السيادي. ومع مرور الوقت تجد أي حكومة عراقية نفسها أمام واقع جيوسياسي يجعل من أربيل لاعباً إقليمياً لا يقل تأثيراً عن بغداد.

في قلب هذه التعقيدات، تتحول أزمة تشكيل الحكومة إلى مسرّع لهذه التفاعلات.

فالانقسام السياسي الحاد، وغياب رؤية موحدة للسيادة والعلاقات الخارجية، والانشغال بالصراع الحزبي، يفتح الباب واسعاً أمام استخدام أدوات الضغط المالي والسياسي لتوجيه شكل الحكومة وبرنامجها.

وعندما يغيب القرار الوطني الموحد يصبح من السهل إدارة العراق من خلال مراكزه المتعددة بدلاً من حكومة مركزية قوية.

الصورة الاستشرافية هنا واضحة العراق لا يواجه تهديداً تقليدياً على شكل حرب أو احتلال بل يواجه عملية إعادة تشكيل تدريجية لدوره ووظيفته في المنطقة مستفيدة من هشاشته الداخلية القرارات التي تتخذها الإدارات الأميركية المتعاقبة سواء في عهد ترامب أو من سبقه أو من سيأتي بعده تجد في ضعف القرار السياسي العراقي نقطة ارتكاز لتنفيذ هذا التصور.

ومن هنا يبرز البعد الأخطر الحاجة إلى إعادة ترتيب الوضع الداخلي اقتصادياً وسيادياً وبناء تحالفات دولية متوازنة مع الصين وروسيا وإيران لسد الثغرة الاقتصادية التي تُستخدم كورقة ضغط وصولاً إلى استعادة القرار على الثروة النفطية وتحريرها من الهيمنة الخارجية بوصفها المدخل الحقيقي لاستعادة القرار السياسي.

إن أخطر ما في المرحلة ليس ما يُعلن من مشاريع، بل ما يتسلل عبر تفاصيل السياسة اليومية.

فبينما ينشغل الداخل بصراعات التشكيل تُرسم في الخارج ممرات وتحالفات قد تجد طريقها إلى الواقع العراقي دون أن يمتلك القدرة على رفضها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى أزمة الحكومة ليست مجرد أزمة سلطة بل قد تكون بوابة لإعادة تعريف مكانة العراق في النظام الإقليمي القادم.