الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 3 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

في كل سَنة يحلّ شهر رمضان حاملًا معه نفحات روحية خاصة، فهو الشهر الذي عظّمه الله تعالى من بين الشهور ونسَبهُ إليه، فجعل ساعاته كما ورد عن رسول الله “صلى الله عليه وآله” أفضل الساعات، ولياليه أفضل الليالي.

ولعباد الله كافة يشكّل المحطة التي تفتح فيها أبواب الرحمة للعالمين، والتوبة للمذنبين، والفرج للمستضعفين.

فيُقبِل الناس بنفوس شفافة لإحياء القيم الأخلاقية والمعنوية، من خلال الطاعة لله تعالى لأداء الفريضة، ملتمسين لطف البارئ “عزوجل” باعتباره فسحة معنوية نورانية، تعيد ترتيب العلاقة مع الذات، وتطهيرها من أدران الغفلة والبعد عن الحق.

وحينما تُحوَّل هذه الفرصة الملكوتية إلى موسم لعرض محتويات هادمة، تُجرِّد الشهرَ من روحه ومحتواه عن تعمّد وقصد، عبر بثوثٍ لا أخلاقية في أيامٍ أجمعَ المسلمون على قدسيتها، هنا يحتاج الأمر الى الإنتباه والتصدي.

إذ من المؤسف أن نرى المشهد الإعلامي في كثير من القنوات الفضائية يعكس مفارقة صادمة، عندما يتعمّد بعض المنتجين، تكثيف إنتاجهم في عرض مسلسلات ومحتويات هابطة، تتضمّن مشاهد وإيحاءات وسلوكيات، تتنافى مع روح هذا الشهر الفضيل، وأعمال درامية تقوم على الإثارة الرخيصة، وتسليع الجسد، وتطبيع العلاقات المشوّهة، هنا يقف المكلّف حذرًا، كونه أمام ظاهرة لا مصادفة إعلامية، وفي تحدٍّ متعمَّد بين أن يقبل أو يصمت!.

والأنكى، أنّ المشكلة لا تكمن في وجود مشاهد أو موضوعات إشكالية شرعية وحسب، إنما في توقيت اختيار الزمن، الذي يكون فيه الوعي الجمعي أكثر هشاشة وانفتاحًا بحكم التجمع العائلي. والكلّ يدرك ما للمحتوى اللا أخلاقي من أثر على الأسرة والمجتمع، حينما تُعرِض مشاهد جريئة لا تنسجم مع القيم والآداب العامة، فضلًا عن عدم انسجامها مع قدسية شهر الله تعالى.

وهذا هو الخطر الذي يُربك الذهنية، ويرسَخ في اللاوعي، ويخلق ازدواجية بين ما يُربّىٰ عليه الأبناء وما يُقدَّم لهم بوصفه فنًّا وإبداعا!.

وليت شعري، أيّ فنٍّ هذا الذي يتعمّد تقديم شخصيات منحرفة في صورة بطل جذّاب ناجح، وهو يقدّم رسالة مشبوهة، يتلقّى فيها المتلقي فكرة ضمنية مفادها: أنّ القيم والعفة ليست شرطًا للنجاح أو الاحترام، كما يقدِّم صورة مهزوزة لفتاة “ترتدي العباءة” -وضَعْ خطًّا أحمرًا تحت العباءة- وهي في وضع مخلّ مع صديقها بعيدًا عن علم أهلها! وغير ذلك مما يندى له جبين الغيور.

لذا، ليس من سذاجة القول إنّ اختيار توقيت العروض الوضيعة في شهر رمضان بريء تمامًا.

فالقنوات المريبة تعرف أنّ نِسب المشاهدة تبلغ ذروتها في هذا الشهر، وأنّ الجمهور متنوّع الأعمار والاهتمامات، ومع ذلك لا يُراعى هذا التنوّع في المحتوى المعروض.

فهذا الإصرار على بثّ أعمال مثيرة للجدل أخلاقيًا، والترويج لها مع اقتراب شهر رمضان، يوحي بوجود توجّه واعٍ لتسويق بضاعة فاسدة تفتك بالمجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب قدسية الزمان ووعي الجمهور.

ومثل هذا التناقض يؤشّر الى حقيقة جوهرية، بأنّ ما تبثّه عشرات الفضائيات من مخالفات للعقيدة والأعراف، هو عمل مقصود يهدف الى إفراغ الشهر من محتواه الروحيّ والمعنويّ، وهو بالمرة استثمار تجاريّ وضيع يدرّ على أصحابه المال الحرام!

وانطلاقًا من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، نهيب بعوائلنا الكريمة بضرورة الحذر من متابعة مثل هذه الأعمال المنحطّة، حفاظًا على المكتسبات الروحية، والمغانم الثمينة في شهر رمضان.

كما ندعو هيأة الإعلام والاتصالات وكل المسؤولين والنواب والغيارى على معتقداتهم، إلى تحمّل مسؤولياتهم كل من موقعه كمسلمين، للحيلولة دون السماح بتمرير أعمال فنية درامية تتنافى وتقاليد عوائلنا وقدسية شهر الله الفضيل، وأن لا تفسح المجال لمشاهدة سلوكيات خادشة للحياء، ومفاهيم دخيلة هدّامة تدعو للإساءة الى هويتنا وديننا.

ونأمل من كل حريص على دينه ومقدساته، تعزيز الرقابة الواعية، وتفعيل لجان مهنية وأخلاقية تراعي خصوصية الشهر وتذكّر بقدسيته.

ولا ننسى ضرورة دور الجمهور الواعي من أصحاب الصفحات النظيفة، وصناع المحتوى الهادف – مرئي، مكتوب، مسموع- بإنتاج محتويات هادفة، ذات قيمة إيجابية تعليمية، تساهم في نشر الفضيلة والقيم، في مواجهة التفاهة والإنحلال الأخلاقي، فضلًا عن دعم البدائل النظيفة كأدوات ضغط حقيقية.

فالدخلاء يريدوها معركة، ومواجهتنا فيها ليست ضد الفن، إنما ضد تفريغ الفنّ من القيم والفضيلة.

ويقيننا بما يقول الله “عزوجل”:
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ} الرعد ١٧.

٢١-شعبان المعظم-١٤٤٧هـ
١٠ -شباط- ٢٠٢٦م