الخميس - 14 مايو 2026

الإصلاح الضريبي والجمارك في العراق 2026: بين التوازن المالي والتوتر الاجتماعي..‍!

منذ 3 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

الشيخ أكبر علي الشحماني ||


مقدمة
في عام 2026، دخلت السياسة المالية العراقية مرحلة مفصلية تُعدّ من أهم لحظات التحوّل الاقتصادي منذ عقود. مع استمرار الاعتماد شبه الكلي على نفطٍ متقلب الأسعار، اضطرت الحكومة الفيدرالية إلى اتخاذ إجراءات صعبة، من بينها تعديل منظومة الضرائب وتحديث الرسوم الجمركية، في محاولةٍ لتوسيع القاعدة الإيرادية للدولة وتقليل العجز في الميزانية العامة. لكن هذه الخطوة التي رآها بعض الاقتصاديين إصلاحاً ضرورياً أثارت موجة من الاحتجاجات والتساؤلات السياسية والاجتماعية.

خلفية سياسية واقتصادية
لطالما شكّل النفط العمود الفقري لاقتصاد العراق، حيث تمثل عائداته أكثر من 90 % من إيرادات الدولة. وفي ظل ضعف تنويع الاقتصاد، باتت المؤسسة المالية عرضة لصدمات خارجية، ما اضطر الحكومة إلى التفكير في تنمية الموارد غير النفطية، عبر نظام ضرائبي وجمركي أكثر صرامة وتوسيعاً.

ومع دخول عام 2026، صدرت مجموعة من الإجراءات القانونية والتنفيذية التي أعادت ترتيب التعرفة الجمركية، وشملت العديد من السلع والمنتجات المستوردة، إضافة إلى فرض رسوم وخدمات ضريبية على مختلف الأنشطة غير النفطية.

الأهداف الحكومية: إصلاح الموازنة أم التقشف القسري؟
من منظور الحكومة العراقية، فإن الهدف الرئيس لرفع وتعزيز الرسوم الجمركية هو:
زيادة الإيرادات غير النفطية لمواجهة العجز المالي المزمن.
حماية الصناعة المحلية من تدفق البضائع الأجنبية الرخيصة.
تحسين الرقابة على المنافذ الحدودية عبر توظيف الأنظمة الإلكترونية مثل (ASYCUDA).

وبحسب بيانات رسمية، فقد حققت الجمارك إيرادات تجاوزت 137 مليار دينار عراقي في يناير 2026 فقط، وهي إشارة على قدرة الجهاز الجمركي على جباية المزيد من الموارد مقارنة بالسنوات السابقة.

لكن هذا الهدف الاقتصادي يرتبط بمقاربة سياسية واضحة: إذ تعكس خطوة زيادة الرسوم رغبة الدولة في الحد من الاعتماد على النفط، ما له آثار إيجابية على الاستقرار المالي على المدى الطويل، لكنه في الوقت ذاته يفتح باباً واسعاً للنقاش حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الأعباء بين مختلف شرائح المجتمع.

ردود الفعل: احتجاجات وتوترات في الأسواق
لم تمر الإجراءات الجديدة دون ردود فعل في الشارع العراقي؛ فقد شهدت العديد من الأسواق في بغداد ومدن أخرى إغلاقاً احتجاجياً من التجار ضد ارتفاع الرسوم والتكاليف المرتبطة بالاستيراد.

التجار اتهموا الحكومة بـ«القرارات المتسرعة» التي لم ترافقها دراسات كافية حول تأثيرها على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى أسعار السلع الأساسية. وفي بعض المناطق الحدودية، تصاعدت الدعوات إلى تفاوض بين الحكومة الإتحادية وإقليم كردستان لتنظيم التعرفة الجمركية بشكل أكثر توازناً.

ما يؤكد أن المسألة لم تعد مجرد قرار اقتصادي، بل اتخذت أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية في آن واحد، مما يضع الحكومة تحت ضغط شعبي وحراك تجاري غير مسبوق.

تحليل سياسي: هل تكمن الأزمات في التنفيذ أم في الجوهر؟
من زاوية التحليل السياسي، يمكن قراءة الأزمة وفق ثلاثة محاور رئيسية:

1. الشرعية السياسية والإصلاح الاقتصادي
تحتاج أي خطة إصلاحية ناجحة إلى قدر كافٍ من الشرعية الاجتماعية. في العراق، حيث تعاني الثقة بين المواطن والدولة منذ سنوات، بات من الصعوبة بمكان تمرير سياسات جبائية دون إشراك المجتمعات المتضررة في الحوار السياسي.

2. المؤسسة السياسية وأدوار الأحزاب
لا يمكن تجاهل أن القرار الضريبي في العراق يتداخل مع الولاءات السياسية والأحزاب المتنافسة على النفوذ داخل الحكومة والبرلمان، ما يعقد عملية الإصلاح ويجعلها عرضة للانتقادات والاستغلال السياسي.

3. التوازن بين الإصلاح والدعم الاجتماعي
رفع الرسوم الجمركية قد يكون حلاً لحل عجز الموازنة، لكنه قد يقوّض قدرة الفئات الضعيفة والمتوسطة على مواجهة ارتفاع الأسعار، ما يستدعي من الحكومة برامج دعم أو سياسات توازن اجتماعي تقلل من وقع الإصلاح على الفئات الهشة.

استنتاجات وتوصيات
في ختام هذا البحث السياسي يمكن القول إن:
إصلاح النظام الضريبي والجمركي في العراق لعام 2026 خطوة ضرورية لإعادة ترتيب المالية العامة، لكنه جاء في ظل ضعف الثقة بين الدولة والمواطنين.

الاحتجاجات التجارية تعكس امتعاضاً من السياسات التنفيذية أكثر من رفض الفكرة الجوهرية، وهو ما يستدعي حواراً أوسع بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

أي نجاح مستقبلي لهذه السياسات مرتبط بقدرة الحكومة على تخفيف الأعباء الاجتماعية وقياس تأثير الإجراءات بشكل دوري، وتعديلها إن لزم ذلك.

خاتمة
تواجه العراق في 2026 معضلة سياسية واضحة: كيف يمكن للدولة أن تُحافظ على استقرارها المالي من جهة، وتحافظ على توازن اجتماعي وسياسي من جهة أخرى؟

إن تحليل السياسات الضريبية والجمركية اليوم لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن التحولات السياسية الأوسع، والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، مما يجعل هذه القضية واحدة من أهم ملفات الإصلاح في المشهد العراقي الراهن.