الخميس - 14 مايو 2026
منذ 3 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

زمزم العمران ||

في مدينة الحرية ببغداد، حيث البيوت تضيء بضوء التعب، والقلوب تضيء بنور الصبر، وُلد الشهيد علي قاسم خلف اللامي في الثالث والعشرين من حزيران عام 1976.

لم يكن ابن عائلة غنية، ولا ابن مسؤول كبير، بل كان ابن هذه الأرض التي لا تعطي أبناءها شيئًا إلا بثمن، وكان هو مستعدًا أن يدفع أغلى الأثمان.

نشأ علي في بيتٍ بسيط، وعاش أعزبًا، كاسبًا، يعمل بجهده ويتعب بيديه، ومع كل تعب كان يحمل في قلبه حبًا للوطن لا يُضاهيه كنز. لم يكن اسمه معروفًا على الشاشات، ولم يكن وجهه ظاهرًا في صور المقاتلين المشاهير، لكنه كان هناك،

في الخطوط الأولى، في الزوايا التي لا يراها أحد، حيث تختبر الرجولة في صمت، وتُكتب الملاحم دون أن يعلم بها أحد. عُرف بين رفاقه بالطيبة والمحبة، لم يكن قائدهم في الميدان فقط، بل كان أخاهم الأكبر، وسندهم في الليالي الصعبة.

كان مسؤول كتيبة في منطقة الحرية، وكان يخبئ تحت عباءته البسيطة قلبًا من ذهب.

ما يجنيه من رزقه كان يعود به إلى جامع التوحيد، يوزعه حلوى وفواكه على المجاهدين دون أن يشعروا، كأنّه أراد أن يُطعمهم من قلبه، أن يجعل من لحظاتهم القليلة فرحًا خفيفًا وسط لهيب الخوف والموت.

كان علي يعلم أن دربه ليس معبّدًا، وأن النهايات التي تنتظره لا تحمل غير لون الدم، ومع ذلك لم يتردد كتب وصيته، وحدد مكان دفنه، وأوصى أن يُدفن في مقابر الشهداء، حيث الأرواح التي يشبهها، وحيث النقاء الذي يليق به كن حين استُشهد في كمين جبان أعدّه النواصب في مدينته،

وارتقت روحه مع شقيقه عمار، أصرّت عائلته أن يعود إلى مدفنهم، أن يكون قربهم، لأنهم لم يستطيعوا أن يودعوه بعيدًا ،جهزوا قبره، وانتظروا أن يُنزل جسده المسجى بالبطولة إلى الأرض، لكن الأرض أبت وقف الجميع مذهولين، كأن ترابهم لا يريد احتواءه، كأنّه صار أكبر من أن يُدفن في العادي، كأنّ روحه تُصر أن تعود إلى حيث أراد، إلى مقابر الشهداء، بين من يشبهونه في النقاء وفي الجرح.

وأُعيد علي إلى مثواه الذي اختاره بنفسه، ودُفن هناك، كأنّه كتب النهاية كما أرادها، بشجاعة الأبطال وكرامة الشهداء.

يا علي، يا من أطعمت رفاقك الحلوى، وارتويت وحدك من مرارة الفقد، نم بين رفاقك الآن، كما كنت بينهم في الحياة، واقفًا، كريمًا، وفيًّا ،نم هناك، حيث الأرض تفتح ذراعيها لأمثالك، وتكتب أسماءهم بالنور لا بالحبر ، سلام عليك يوم ولدت في بغداد، وسلام عليك يوم وقفت مقاتلًا في الحرية، وسلام عليك يوم ارتقيت مع أخيك إلى السماء ، وسلام على القبر الذي رفضك، لأنه علم أنك لا تُدفن إلا في الأرض التي تشبهك: أرض الشهداء.