الغطرسة الأمريكية والواقع الجديد: لماذا تراجعت واشنطن عن المواجهة مع إيران؟!
محمود المغربي ||

تفرض غطرسة أمريكا عليها استخدام القوة لفرض مصالحها ونفوذها، بل ولأخذ ما تحتاج إليه وتدمير كل ما يشكل خطرًا عليها أو على مصالحها أو على طفلتها المدلَّلة إسرائيل.
وليس من السهل على الكبرياء والغطرسة الأمريكية القبول بالتفاوض والجلوس إلى طاولة الحوار مع أي طرف أو خصم، وهي دائمًا ما تتجنب ذلك ولا تقبل بالحوار والتنازل إلا للشديد القوي كما يقول المصريون. بمعنى أوضح: أمريكا لا تفاوض إلا عندما يكون لديها تقارير ومعلومات قاطعة أن الخيار العسكري لن يجلب لها الانتصار، وأن هزيمة هذا الخصم لن تكون بالأمر السهل. وفي أفضل الأحوال، سيكون الانتصار باهظ الثمن وبعيد المنال، وقد يصعب على الخبراء التنبؤ بنهاية سعيدة لأي عمل عسكري.
وهذا ما ينطبق على الملف الإيراني، وهو ما جعل ترامب يتراجع خطوة إلى الوراء ويقبل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إيران بشروطها. ولو كان ترامب يعلم أن الخيار العسكري ممكن وسهل وسيحقق الهدف، لما جلس للحظة واحدة للتفاوض مع إيران.
لقد حدث الكثير منذ حرب الـ12 يومًا على إيران، وهناك تغيرات كبيرة في الداخل الإيراني وفي المنطقة والعالم، تجعل من الحرب على إيران خيارًا صعبًا ومغامرة غير محسوبة لأمريكا.
فعلى المستوى الداخلي الإيراني، فقد تعلمت إيران الكثير من حرب الـ12 يومًا، واستفادت من أخطائها وسلبياتها، وأصبح الإيرانيون يدركون متطلبات المعركة العسكرية، وما هي الأدوات والأسلحة الفعالة والمناسبة لخوضها، وما هي نقاط ضعف العدو وأين يضربون. والأهم من ذلك أن القيادة الإيرانية أدركت فشل استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” والاكتفاء برد الفعل المحدود، وتم التخلص من المخاوف من المواجهة المباشرة بعد أن دُفِعَت إلى ساحة المعركة في الحرب السابقة.
وعلى مستوى المنطقة، فقد أدركت الدول العربية أهمية بقاء إيران ووجودها كقوة ردع وعامل توازن في وجه إسرائيل، ولمنع تمددها. وأصبحت دول مثل السعودية وقطر وسلطنة عمان ومصر تدرك أن إيران تشكل نقطة قوة للمنطقة كلها في مواجهة إسرائيل، وليس كما كان يُعتقد سابقًا بأنها تشكل تهديدًا لها.
وعلى المستوى الدولي، فقد أدركت دول مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية، وحتى دول أوروبا، أن إيران تشكل خط دفاع أمام التمدد الأمريكي، وأن بقاءها كجبهة مواجهة للهيمنة والغطرسة الأمريكية هو خيار استراتيجي لا ينبغي التنازل عنه أو التفريط به. كما أن سيطرة أمريكا على إيران وما تمتلكه من نفط وثروات وموقع استراتيجي،
سوف يجعل أمريكا تتحكم وتهيمن على تجارة ومخزون النفط العالمية، وتجعل الاقتصاد الصيني والهندي والأوروبي تحت رحمتها، بعد سيطرتها على نفط فنزويلا. فسيطرة أمريكا على إيران تعني سيطرتها على أهم طرق التجارة العالمية وعلى أهم المضائق البحرية (مضيق هرمز وباب المندب)، وسوف تصبح قادرة على خنق الاقتصاد العالمي.
ولمنع هذا السيناريو من التحقق، يجب الحرص على بقاء وصمود إيران، وجعل الانتصار الأمريكي عليها صعبًا ومستحيلاً. وهذا ما دفع بالصين إلى التخلي عن سياسة التفرج والانخراط في تقديم كل الدعم لإيران، خصوصًا أن إيران قد تراجعت عن قرارها بالاكتفاء الذاتي في مجال الصناعات العسكرية بعد أن أدركت أن قدرتها العسكرية والتكنولوجية لا تكفي لمواجهة القدرات الأمريكية والإسرائيلية، وبأنها بحاجة إلى قدرات الصين وروسيا الموازية لقدرة أمريكا. ومن الواضح أن الصين وروسيا لم تقصرا في دعم إيران،
فهناك جسور جوية بين إيران والصين، وهناك انفتاح كبير في العقلية الإيرانية. وفي حال أقدمت أمريكا على شن عدوان على إيران، فأعتقد أن إيران سوف تصبح بمثابة أوكرانيا للصين وروسيا، ودول كثيرة تحرص على استنزاف وإغراق أمريكا في المستنقع الإيراني.




