الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 3 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

ناجي الغزي/كاتب وسياسي ||

في التاريخ، لا تسقط الإمبراطوريات فجأة. لا يصحو العالم صباحاً ليجد أن العرش أصبح فارغاً. ما يحدث أشبه بشيخوخة بطيئة، هادئة، غير مرئية للعين المجردة. القوة تبقى في مكانها… لكن الهالة التي تحيط بها تبدأ في التآكل.

وهكذا تماماً يبدو حال الدولار اليوم.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن الدولار مجرد عملة. كان لغة العالم الاقتصادية. النفط يُسعّر به، الاحتياطيات تُخزّن به، الديون تُقاس به، والتجارة تمر عبره كما يمر الدم في الشرايين. لم تكن هيمنته مالية فقط، بل حضارية. تعبيراً عن نظام عالمي صاغته واشنطن ومؤسساته، وعلى رأسها (الاحتياطي الفيدرالي Federal Reserve)، هو البنك المركزي للولايات المتحدة والبنية القانونية والمالية الأمريكية. لكن الزمن لا يتوقف عند أحد.

*المشهد الأول: الصين تدخل القاعة*

الصين لم تطرق الباب، دخلت من بوابة الاقتصاد. مصانعها ملأت الأسواق، موانئها تشابكت مع طرق التجارة، تقنيتها صعدت من (نسخة رخيصة إلى منافس استراتيجي). ومع هذا الصعود، بدأت الصين تتساءل: لماذا يجب أن تمر كل هذه القوة الصناعية والتجارية عبر عملة ليست عملتنا؟
من هنا جاء الطموح الصيني لأن يصبح اليوان عملة مستخدمة عالمياً، لا لتحل محل الدولار فجأة، بل لتنتزع مساحة منه أو تأكل من جرفه. وفي اجتماعات مجموعة (بريكسBRICS ) لم يكن الحديث عن “إسقاط الدولار”، بل عن التحرر من الاعتماد الكلي عليه. الفرق كبير بين الهدم وبناء مسار موازٍ.

*المشهد الثاني: أمريكا تُضعف ما صنع قوتها*

المفارقة أن التحدي الأكبر للدولار لا يأتي من بكين فقط، بل من واشنطن نفسها. الدولار صار أداة عقاب!! أمريكا تستخدم عقوبات، وتجميد أصول، وتهديد بقطع الوصول للنظام المالي. الرسالة التي التقطها العالم لم تكن سياسية، بل نقدية وهي (إذا اختلفت معنا… مدخراتك ليست آمنة). عندها، حتى الحلفاء بدأوا يفكرون، ليس بديلاً فورياً، بل خطة احتياط. وهنا يبدأ التآكل الحقيقي. ليس لأن الدولار ضعيف، بل لأن الثقة لم تعد مطلقة. لأن صورة العملة كخيار وحيد وآمن بلا نقاش بدأت تتصدّع. حين تتحول الثقة من حالة مطلقة إلى حسابات مشروطة، تتغير معادلة القوة حتى لو ظلت المؤشرات الظاهرة مستقرة.

*المشهد الثالث: لماذا لا يسقط العرش إذن؟*

العملات المهيمنة لا تُزاح بالخطابات أو بالمواقف السياسية، بل عندما تتوافر لدى البديل بنية مالية عالمية متكاملة. حتى الآن، الدولار يستند إلى أربعة أعمدة صلبة:
أولاً: عمق سوق السندات الأمريكية. فهو الأكبر والأكثر سيولة في العالم، ما يتيح للبنوك المركزية والمستثمرين الدخول والخروج بأحجام ضخمة دون اضطراب.
ثانياً: السيولة الدولارية الهائلة التي تغذي التجارة والتمويل عالمياً.
ثالثاً: قابلية التحويل الكاملة، لا قيود فعلية على حركة رؤوس الأموال.
رابعاً، البيئة القانونية والمؤسسية، التي تمنح المستثمر شعوراً عالياً بالأمان وحماية الحقوق.
في المقابل، الصين تمتلك وزناً صناعياً وتجارياً ضخماً، لكنها ما زالت تدير عملتها ضمن نطاقات وضوابط، وتفرض قيوداً على حركة رأس المال، كما أن أسواقها المالية ليست مفتوحة أو عميقة بالدرجة التي تسمح للعالم بأن يضع إحتياطياته وثرواته فيها دون تحفظ. القوة الاقتصادية شيء، والثقة النقدية شيء آخر.

*المشهد الرابع: ما الذي يتغير فعلاً؟*

الذي يحدث ليس استبدالاً، بل إعادة هندسة لإدارة المخاطر على مستوى الدول. ما يحدث هو أن الحكومات والبنوك المركزية لم تعد تبني تعاملاتها على افتراض وجود مركز نقدي واحد لا يُستغنى عنه، بل بدأت توزّع اعتمادها عبر قنوات متعددة.
يتجلى ذلك في اتساع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، وتكوين احتياطيات أكثر تنوعاً، وبناء مسارات تسوية مالية خارج الأطر التقليدية. هذه الخطوات لا تعني القطيعة مع الدولار، بل تقليل الاعتماد الكامل عليه، تماماً كما يفعل المستثمر حين يخفف تركّزه في أصل واحد دون أن يخرج منه نهائياً.
رغم هذا المسار، يظل الدولار متقدماً بفارق البنية والسيولة والثقة، لذلك لا يواجه خطر السقوط القريب. لكن موقعه يتبدل بهدوء، من عملة تحتكر الدور المحوري إلى عملة تتصدر ضمن مجموعة أوسع. الفرق يبدو فنياً في الأرقام، لكنه استراتيجي في المعنى، إذ يشير إلى انتقال النظام النقدي العالمي من مركز واحد صلب إلى توازن متعدد الأقطاب.

*المشهد الأخير: كيف ينتهي عصر الدولار؟*

نهاية عصور الهيمنة النقدية للدولار لا تأتي عادة عبر انهيار مفاجئ، بل عبر تحول تدريجي في بنية القوة الاقتصادية والسياسية العالمية. العملة المهيمنة لا تسقط لأن اقتصادها ينهار فجأة، بل لأن البيئة التي منحتها التفرد تتغير، حين تتوزع مراكز الإنتاج، وتتعدد قنوات التجارة، وتظهر قوى قادرة على بناء مسارات مالية موازية.

كما تراجع الجنيه الإسترليني تاريخياً، بعد أن كان مهيمناً، لم يكن نتيجة صدمة نقدية حادة، بل نتيجة انتقال مركز الثقل الصناعي والمالي إلى الولايات المتحدة. أي أن التغيير كان نظامياً لا لحظياً، إذا تراجع موقع الدولار مستقبلاً، فسيكون ذلك بالمنطق نفسه، عبر مسار تراكمي يتمثل في تنويع الاحتياطيات، واتساع استخدام العملات المحلية، ونمو أسواق تمويل خارج الفضاء الدولاري. عندها لا يفقد الدولار أهميته، بل يفقد احتكاره، ويتحول من مرتكز أوحد للنظام إلى عملة ضمن نظام نقدي متعدد.
إذن، ما قد ينتهي ليس الدولار نفسه، بل المرحلة التاريخية التي سمحت له بالهيمنة المنفردة. لكن، سيبقى لاعباً رئيسياً في نظام تتقاسم فيه العملات الكبرى الأدوار، بدل أن يحتكرها طرف واحد.