فائضُ القوّة الذي لم يُرهب أحدًا: حين تعثّرت واشنطن أمام صلابة طهران..!
د. إسماعيل النجار ||

بماذا استفادت واشنطن من فائض قوّتها العسكرية والاقتصادية في مواجهة طهران؟
سؤالٌ يفرض نفسه بعدما انقلب ميزان التهديد إلى ميزان ردع، وتحوّل الضجيج الأميركي إلى حساباتٍ باردة. إيران، التي راهن خصومها على إنهاكها بالعقوبات والضغط، تفوّقت بوحدة الموقف وقرار الردّ الشامل. فتراجع دونالد ترامب، لا استجابةً لوساطاتٍ قادتها دولٌ عدّة، بل خوفًا من العاصفة التي كانت ستواجهها الولايات المتحدة لو بدأ العدوان على بلاد الفُرس.
طهران لم تُفاجَأ.
لقد تحضّرت وأعدّت العدّة لحربٍ طويلة لم تكن ضمن حسابات ترامب ولا نتنياهو. كان مخطّطهما ضربةً جوية وصاروخية سريعة ومدمّرة، يعقبها خروج ترامب ليعلن “انتهاء المهمة”، مع تهديدٍ تقليدي بأن أي ردّ إيراني سيُقابَل بالإزالة من الوجود. لكن هذا السيناريو اصطدم بجدارٍ من الوقائع، لا بالشعارات.
المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي قالها بوضوحٍ لا لبس فيه، وبلسانٍ فارسيٍ صادق لا تشوبه شائبة ولا يحتمل تأويلًا: إذا هاجمت أميركا وإسرائيل إيران، فسيكون الردّ بسحق القواعد الأميركية في المنطقة، ومن ضمنها الكيان الصهيوني الغاصب، ولن تقف الحرب عند تلك الحدود. كان هذا إعلان ردعٍ استراتيجي، لا خطابة.
نُصِح ترامب بألّا يغامر في غير المحسوب. حاول نتنياهو إقناعه بأن “لا خوف” على كيانه، وأنه قادر على تحمّل ضرباتٍ تصل إلى نحو 800 صاروخ إيراني ثقيل.
لكن الحسابات العسكرية والسياسية لم تُقنع البيت الأبيض. ففضّل ترامب العروج إلى مسار المفاوضات تحت عنوانٍ أميركي واحد: السلاح النووي ممنوع على إيران.
وفي المقابل، وبثبات الموقف الإيراني، سقطت الشروط المتراكمة على طاولة ترامب، وبدأ التقهقر واضحًا أمام إصرارٍ لم تتوقّعه واشنطن من مواقف السيد القائد الخامنئي.
في الخلفية، لعبت الصين دورًا وازنًا في دعم إيران تكنولوجيًا وعسكريًا. وحطّت طائرات الشحن الثقيلة في مطاراتها بالعشرات، تحمل في أحشائها ما أرعب الغرب: ليس مجرد عتاد، بل رسالة توازنات جديدة تقول إن زمن الحصار الأحادي يقترب من نهايته.
لماذا تراجع ترامب؟
لأن فائض القوّة لم يعد ضمانة نصر. كلفة الحرب كانت ستتجاوز القدرة على الاحتواء: شبكة قواعد أميركية مكشوفة، أسواق طاقة مهدَّدة، ممرات بحرية حسّاسة، واحتمال توسّعٍ إقليمي لا يمكن ضبطه. الأهم أن الردع الإيراني لم يكن كلامًا؛ كان مبنيًا على استعدادٍ ممتد، وقدرةٍ صاروخية، وقرارٍ سياسي موحّد.
ولماذا خسر نتنياهو حلمه بإشعال الحرب؟
لأن رهانه على ضربة خاطفة اصطدم بحقيقة أن الجبهة المقابلة لا تُدار بمنطق المغامرة، بل بمنطق الصبر الاستراتيجي. إشعال المنطقة بالصواريخ لم يكن سيناريوًّا يُدار من غرفة عمليات واحدة، بل سلسلة ارتدادات قد تحرق الإقليم بأكمله، وتضع “أمن الكيان” في مهبّ المجهول.
الخلاصة أن فائض القوّة الأميركي، حين يُواجَه بعقيدة ردع متماسكة ووحدة قرار واستعداد طويل النفس، يفقد كثيرًا من فعاليته. واشنطن تراجعت لأنها أدركت أن النصر السريع وهم، وأن الحرب الشاملة مقامرة خاسرة.
أما طهران، فخرجت من المواجهة وقد ثبّتت معادلة جديدة: الردع لا يُشترى بالقوّة وحدها، بل بالإرادة والجاهزية ووحدة الموقف.
بيروت في،، 5/2/2026




