ضريبة العقل والمنطق..!
🖋️ قاسم سلمان العبودي ||

لطالما تعاملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع مفاهيم العقل والمنطق من منطلق الإحساس بالمسؤولية، ليس تجاه شعبها فحسب، بل تجاه شعوب المنطقة والعالم. غير أن “المنطق الهوليوودي” – إن صح التعبير – يرفض أن تظهر إيران بصورة الطرف العاقل، لأن هذه الصورة تكشف تناقضات السردية الأمريكية وتعرّي النوايا الحقيقية الكامنة خلف خطابها السياسي.
فبعد استجابة طهران لمبدأ التفاوض مع الولايات المتحدة، ومن بوابة العقل والحوار، سارع “رجل الكاوبوي” إلى إضافة بند جديد يتصل بالأسلحة الباليستية الإيرانية، في خطوة تبدو وكأنها محاولة لتأمين الكيان الصهيوني مسبقًا من أي معادلة ردع مستقبلية، إذا ما اندلعت مواجهة جديدة في المنطقة.
لقد ألقت إيران الحجة على العالم بقبولها الذهاب إلى طاولة التفاوض، الأمر الذي وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موقف محرج؛ إذ إن خيار الحرب – وفق هذا المنظور – كان الخيار الأسهل بالنسبة له. ويمكن قراءة ذلك من خلال جملة من الدوافع:
أولاً: سعي ترامب لإعادة رسم المسارات الاستراتيجية الأمريكية ضمن مشروع “شرق أوسط جديد”، وهي مسارات تتقاطع مباشرة مع تنامي القوة الإيرانية، ما يجعل إضعاف هذه القوة هدفًا لازمًا في الحسابات الأمريكية.
ثانيًا: محاولة إعادة تكريس القطبية الأحادية للولايات المتحدة، بعد أن بدأت ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب بالتشكل، مع صعود قوى جديدة على الساحة العالمية، وتُعد إيران – وفق هذا الطرح – من أبرز هذه القوى الصاعدة إقليميًا.
ثالثًا: تنظر طهران إلى زوال الكيان الصهيوني باعتباره جزءًا من رؤيتها الاستراتيجية، وبالتالي فإن بقاء إيران قوية ومتماسكة يسرّع – من وجهة نظرها – في تغيير موازين القوى في المنطقة، وهو ما يثير قلق واشنطن وحلفائها.
ومن الأسباب الأخرى التي أسهمت في تعقيد المشهد مسألة مكان التفاوض. فاختيار عُمان بدلًا من أنقرة يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة؛ إذ إن العلاقة الوثيقة بين أجهزة الاستخبارات التركية والأمريكية قد تُعرّض الوفد الإيراني لمخاطر تسريب أو اختراق، في حين تمثل مسقط وسيطًا سبق أن لعب دورًا متوازنًا في جولات تفاوض سابقة، وهو ما لا ينسجم مع رغبة واشنطن في إدارة بعض الملفات خلف الكواليس.
على المستوى الشخصي، يبدو أن ترامب – وفق هذا التصور – أكثر انسجامًا مع منطق الضغط والحرب منه مع منطق الدبلوماسية، في مقابل دبلوماسية إيرانية توصف بالمرونة وطول النفس. ومن هنا يُقرأ الانسحاب الأمريكي من مسار التفاوض بوصفه قرارًا تدفع به “الدولة العميقة” لحفظ ماء الوجه، خاصة بعد الحشد العسكري الأمريكي في الخليج وبحر عُمان.
في المحصلة، قد تكون “ضريبة العقل والمنطق” هذه المرة تصعيدًا عسكريًا أمريكيًا ضد إيران، غير أن الرهان – بحسب هذه القراءة – على قدرة طهران على إدارة الرد بطريقة تعيد واشنطن في النهاية إلى مسار الدبلوماسية، حيث تُحاك خيوط السياسة بهدوء يشبه حياكة السجاد الإيراني: صبرٌ، ودقة، ونَفَسٌ طويل .




