العراق في أمتحان النضج السياسي : الدولة أولاً .؟
طه حسن الأركوازي ||

يمر العراق في هذه المرحلة الدقيقة بمُنعطف سياسي بالغ الحساسية ، تتداخل فيه الاستحقاقات الدستورية مع التعقيدات الإقليمية والتحولات في المزاج الدولي ، في ظل واقع داخلي ما زال يبحث عن مُعادلة مُتوازنة تجمع بين الاستقرار السياسي ، والشرعية الشعبية ، ومتطلبات بناء الدولة الحديثة . وفي هذا السياق ، تكتسب الاجتماعات الجارية بين القوى السياسية ولا سيما داخل المكونات الرئيسة الفاعلة ، أهمية تتجاوز مسألة أختيار شخصية بعينها لتولي رئاسة الوزراء ، لتلامس جوهر السؤال الأعمق المُتعلق بطبيعة المسار السياسي الذي يريد العراق أن يسلكه في السنوات المقبلة .
تشير المعطيات المُتداولة في الأوساط السياسية إلى أن النقاشات الحالية لا تنحصر في أسم مرشح مُحدد ، بقدر ما تتمحور حول كيفية إدارة مرحلة شديدة التعقيد ، تتطلب مستوى أعلى من التوافق ، وقراءة أكثر واقعية لموازين القوى الداخلية والخارجية ، فضلاً عن أستيعاب الدروس المُتراكمة منذ عام 2003 وحتى اليوم ، فقد أثبتت التجربة العراقية بكُل ما حملته من إخفاقات وتحديات ، أن التركيز على الأشخاص بمعزل عن البرامج والرؤى والمؤسسات لا يقود بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار المنشود.
في هذا الإطار ، تبرز مسألة المواقف الدولية من بعض الترشيحات بوصفها عاملاً مؤثراً لا يمكن تجاهله ، لكنها في الوقت ذاته لا ينبغي التدخل والتأثير على القرار السياسي الوطني وما أفرزته نتائج الأنتخابات ، فالدول الخارجة من الأزمات بحسب ما توثقه دراسات صادرة عن مراكز بحثية عالمية مُتخصصة في التحول الديمقراطي وبناء السلام ، غالباً ما تنجح عندما تتمكن من إيجاد توازن دقيق بين أحترام سيادتها السياسية ، وإدراكها لحقائق البيئة الدولية ومتطلباتها ، وهذا التوازن لا يتحقق عبر الشعارات ، بل من خلال مؤسسات قوية ، وبرامج حكومية واضحة ، وشخصيات تمتلك القدرة على إدارة التفاعل مع الخارج بثقة وحكمة ، وفي هذا السياق ، تم ترشيح السيد نوري المالكي لأمتلاكه خبرة سياسية ، وتجربة تنفيذية تخوله الاضطلاع بهذا الدور ، شريطة أن تُمنح الحكومة المقبلة في حال توليه المسؤولية مساحة كافية من الاستقلالية والحرية في أتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط والتدخلات .
النقاش الدائر حالياً داخل القوى السياسية العراقية يعكس في جانب منه إدراكاً مُتزايداً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مُقاربة مُختلفة عن تلك التي سادت في دورات سابقة ، فالعراق اليوم يواجه تحديات أمنية وأقتصادية ومالية مُعقدة ، وضغوطاً أجتماعية مُتصاعدة ، وأستحقاقات خدمية مُؤجلة ، إلى جانب بيئة إقليمية مُتغيرة تتسم بأرتفاع منسوب التوتر ، وعدم اليقين ، وكل ذلك يفرض أن يكون معيار الاختيار لمن يتولى رئاسة الحكومة مُرتبطاً بالكفاءة والقدرة على بناء التوافقات ، وإدارة فريق حكومي مُتماسك قادر على إدارة دفة الحكومة بصلابة ورؤية وذكاء .
تُظهر منطقية تطور النظم السياسية أن الاستقرار المُستدام لا يُبنى على حلول ظرفية أو تسويات مُؤقتة ، بل على تأسيس قواعد حكُم واضحة تحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع ، وتحدد مسارات تداول المسؤولية ، وتضبط آليات أتخاذ القرار ، فكُلما كانت هذه القواعد أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق ، أزدادت قُدرة النظام السياسي على أمتصاص الأزمات ، والتكيف مع المتغيرات ، وتراجعت فرص الانزلاق نحو الانسداد أو الصراع المفتوح ، ومن هنا فإن جوهر التحدي العراقي لا يتمثل في تبديل الوجوه ، بقدر ما يكمن في ترسيخ نموذج حكم يقوم على المؤسسية ، والمساءلة ، وربط السلطة بالبرنامج والأداء لا بالانتماء أو التاريخ السياسي .
هذه التجارب ، على أختلاف سياقاتها لكنها تشترك في حقيقة جوهرية مفادها أن نجاح الانتقال أو الاستقرار لا يتحقق عبر الرهان على الأسماء ، بل عبر بناء منظومة حكم متُماسكة تقوم على توزيع واضح للصلاحيات ، ورقابة فعالة ، وبرامج قابلة للتنفيذ . ومن هنا ، فإن أي نقاش عراقي حول رئاسة الوزراء ينبغي أن ينطلق من سؤال البرنامج أولاً ، وما هو المشروع الذي سيحمله رئيس الحكومة المقبل .؟ وكيف سيتعامل مع ملفات الاقتصاد، والخدمات، ومحاربة الفساد ، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة .؟
الحديث عن أحتمالات بقاء مرشح مُعين أو أنسحابه لصالح مرشح آخر يُمكن فهمه ضمن هذا الإطار الأشمل ، فالمسألة في جوهرها ليست أنتصاراً لهذا الطرف أو ذاك ، بل أختبار لمدى قُدرة الشخصية المطروحة على تقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الحزبية أو الفئوية ، وعلى قراءة اللحظة السياسية قراءة هادئة ومسؤولة ، وإن إظهار قدر من المرونة السياسية ، إذا جاء في سياق التوافق على خيار وطني جامع ، يمكن أن يُعد مؤشراً إيجابياً على نضج العملية السياسية، لا علامة ضعف .
كما أن الخطاب السياسي في هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى الابتعاد عن التصعيد اللفظي أو التخوين ، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء مساحات مشتركة . فالمواطن العراقي الذي أنهكته عقود من الأزمات ، ينتظر حلولاً ملموسة أكثر مما ينتظر سجالات إعلامية ، وتؤكد تقارير صادرة عن مراكز بحوث عربية ودولية معنية بالحوكمة أن الثقة الشعبية تتراجع عندما تطغى الصراعات السياسية على حساب الأداء الحكومي ، فيما تبدأ بالعودة تدريجياً عندما يلمس المواطن تحسناً في الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة .
من هنا ، تبدو اللحظة الراهنة فرصة لإعادة ترتيب الأولويات ، والانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق التخطيط للمستقبل ، وهذا يتطلب من النُخب السياسية أن تتعامل مع أستحقاق تشكيل الحكومة بوصفه خطوة تأسيسية لمسار أوسع ، لا مُجرد حل مُؤقت لانسداد سياسي .
فأختيار رئيس الوزراء ، مهما كان أسمه يجب أن يكون جُزءاً من رؤية مُتكاملة لبناء دولة قادرة وفاعلة ، لا محطة إضافية في سلسلة تجارب غير مُكتملة .
أخيراً وليس آخراً .. إن العراق يمتلك من الطاقات البشرية والموارد ما يؤهله لأن يكون دولة مُستقرة ومُؤثرة في محيطها إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة ، والرهان الحقيقي اليوم ليس على شخص بعينه ، بل على قدرة الجميع على الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية وتقديم نموذج في التوافق المسؤول يضع مصلحة البلاد فوق كُل أعتبار ، ففي نهاية المطاف ما سيبقى في ذاكرة الأجيال ليس أسماء المرشحين بقدر ما سيبقى المسار الذي أختاره العراق :
إما مسار الدولة .؟
أو مسار الدوران في الحلقة المُفرغة ذاتها …!




