في رثاء من لا نرثيهم..!
د. إسماعيل النجار ||

في رثاء السيد عبدالكريم نصرالله، وزوجته الطاهرة، وإبنه القائد الشهيد الأقدس السيد حسن نصرُ ألله، وحفيده الشهيد هادي،
حين تبكي الجذور ويصمد الغصن
فليست كلّ الأحزان سواء، فبعض الفقد يمرّ على القلب مرور الغيم، وبعضه يضرب الروح كصاعقة ويتركها واقفةً في العراء.
رحيل السيد عبدالكريم نصرالله لم يكن غياب رجلٍ فحسب، بل غياب مدرسةٍ صامتة، وأبٍ أنجب للكرامة اسماً، وربّى بالصبر أمةً من المعاني قبل أن يُربّي أبناء كالسيد حسن.
كان السيد عبدالكريم رجلاً يُشبه الأرض؛ ثابتاً، متواضعاً، عميقاً، لا يرفع صوته لأن القيم عنده لا تحتاج إلى ضجيج. من بيته خرج النور، وفي حضنه تربّى الإيمان، وعلى يدَي ولدِهِ تشكّلت ملامحَ زمنٍ أصبحَ لاحقاً عنواناً للعزّ والمقاومة. وإلى جانبه، وقفت زوجته الطاهرة، امرأةٌ من طينة الدعاء، شريكة العمر والوجع، أمّاً حملت القلق بصمت، وربّت أبناءها على الخوف من الله وحده، وعلى حبّ الناس دون منّة.
وفي قلب هذه العائلة، يقف الاسم الذي نعرفه جميعاً السيد القائد حسن نصرالله، لا بوصفه قائداً فحسب، بل ابناً لذلك الأب، وثمرةً لذلك البيت، وامتداداً حيّاً لتلك الروح التي علّمتنا أن القوّة أخلاق قبل أن تكون سلاحاً، وأن القيادة أمانة قبل أن تكون موقعاً.
إن ذكر اسمه هنا ليس استحضاراً لرمزٍ عام، بل اعترافاً بوجعٍ خاص، بجرحٍ كبير بفقد قائدٍ عرفناه وأحببناه وأختبرناه، وبفقد أباه وأمّه وأقرب الناس إلى قلبه، من هنا نعتبر أن الغياب أصبحَ حضوراً لأن هذا الرحيل ليس حدثاً عابراً في دفاتر الأيام، بل زلزالٌ عاطفي تتفاوت شدَّته بوزن الأحبة في القلوب، ثمة غيابٍ يتركُ فراغاً وثمة غيابٌ يتركُ أثراً لا يُمحى، ويبقى بداخلنا كوشمٍ على الروح ليُذَكِرَنا أن بعض البشر خُلِقوا ليكونوا أكثر من أسماءٍ في سجل الحياة، أبو حسن كلٌ من هؤلاء، والسيد حسن كانَ خيرة النجباء، لقد كانوا رجالاً مجبولين من طينة الصبر والثبات، ومخلوقين من معدن الإيمان الهادئ الذي وإن لم يعلوا صوتهم يعلوا قدرهم،
أبو حسن كان الأب الذي ربَّى قبل أن يُنادَىَ به، وغرسَ قبل أن يُشادَ به، وترك في نفس كل مَن عرفه سكينةً تشبه الإطمئنان حين تضع رأسك على كتف وطن،
نرثيهم اليوم لأن القلب لا يحتمل الصمت، ونبكيهم لأن الدموع لغة الصادقين، لكننا في عمق الحزن نوقنُ أن لقائهم في رحاب الله نعمة، نجتمع اليوم على حزنٍ واحد، لكننا نختلف عن سوانا بأننا نحزن ونحن نعرف قيمة من فقدنا.
نشتاق إليهم شوق من ذاق الطمأنينة في حضورهم، ونبكيهم لأن الفقد كبير، لكننا نشكر الله لأنهم كانوا في حياتنا نعمةً لا تُقدَّر.
سلامٌ على السيد عبدالكريم نصرالله،
سلامٌ على الزوجة الطاهرة،
سلامٌ على الشهيد هادي،
وسلامٌ على قلب السيد حسن نصرالله في دار العدل والسلام بين يدَي حاكمٍ عادل إسمه الرحمٰن.
القلب الذي يحمل هذا الفقد كلّه، ويمضي، سيبقى حزيناً لأن الأمانة أكبر من الجراح.
إلى أن نلقى الله عزَّ وجَل أرجوا أن يجمعنا بكم يا صُحبة الأبرار والأخيار يا أحفاد فاطمة الزهراء إلى اللقاء.
بيروت في،، 3/2/2026




