الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 5 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

د. سوزان زين ||

في لبنان والعراق، لم يعد الاصطفاف السياسي مجرّد اختلاف في الرأي، بل تحوّل عند بعض القوى إلى ارتهانٍ علنيّ وفجّ للخارج، بلغ حدّ التباهي به أحياناً، والتستّر عليه إعلامياً في معظم الأحيان.

في بلدين أنهكتهما الحروب والتدخلات الأجنبية والعربية، رأينا قوى سياسية تطلب الوصاية الأجنبية بلا خجل، أو تخاف من التدخلات الأجنبية، وكأنّ الاستعمار الأجنبي صفحة بلا ذاكرة، ولا دم، ولا إذلال.

رأينا من يستدعي باريس، ومن يراهن على واشنطن، ومن يفتح الأبواب للرياض، ومن يبرّر لإسرائيل عدوانها، ومن يطلب من الجولاني ان يضم لبنان إلى سوريا او يدعوه الى العراق بصفته ما يمثل، وكأن السيادة توهب على موائد الجماعات المسلحة.

ورأينا في لبنان من طالب بعودة الانتداب الفرنسي، ورأينا من شرّع للولايات المتحدة تحويل أرضه ومطاراته إلى منصات عسكرية،

ورأينا من برر للاحتلال الإسرائيلي عدوانه على فئة لبنانية، ووجد للإحتلال دائماً ألف عذر، وللضحية دائماً ألف تهمة.

وفي العراق أيضاً، رأينا من يتحفّظ على ترشيح السيد نوري المالكي رئيساً للوزراء، لا لأنّه فاسد أو فاشل أو مرفوض شعبياً، بل لأنّ دونالد ترامب السفّاح المعتوه، مغتصب الأطفال، رمز العربدة الأميركية لا يقبل به لتولّي المنصب.

رأينا من يعتبر أنّ «المقبولية الدولية» شرطٌ أساسي للحكم، وكأنّ السيادة تُقاس برضا البيت الأبيض، وكأنّ إرادة الشعب تُعلَّق بقرار يصدر من خلف المحيط.

أيّ منطق هذا؟
وأيّ سيادة تقاس بمكيالين؟
ومنذ متى أصبحت شهادة حسن السلوك تُمنح من واشنطن؟
ومنذ متى صار اعتراض رئيس أميركي على اسم عراقي سبباً كافياً لإقصائه؟

كلّ هذا مرّ ويمر، في الإعلام اللبناني والعراقي مرور الكرام:
لا تخوين، لا حملات، لا اتهامات بالعمالة، ولا نقاش جدّي عن السيادة أو الارتهان.
لكن حين يقول فريق لبناني أو عراقي أصيل، له امتداد شعبي، وله دماء في مواجهة الاحتلال والإرهاب، وله تاريخ في منع سقوط البلدين، إنّ إيران دعمته ووقفت معه حين تخلّى عنه الجميع، وإنّ مساندة من ساندنا واجب أخلاقي وسياسي…

تُستنهض فجأة كلّ المفردات: عمالة، تبعية، إيرانية، خيانة، ارتهان، ذيول.

فإذا كان الارتهان لواشنطن لا يجعل أصحابه أميركيين..
وإذا كان التباهي بباريس لا يجعل أصحابه فرنسيين..
وإذا كان تبرير العدوان الإسرائيلي لا يجعل أصحابه إسرائيليين..

فكيف يصبح شكر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومساندتها للبنان والعراق في وجه حروب كونية وإرهاب عابر للحدود، جريمة لا تُغتفر؟

وإن كان المعيار هو الانحياز السياسي،
وإن كانت التسمية تُطلق على أساس الموقف لا على أساس الارتهان الحقيقي،
فليكن الأمر واضحاً بلا مواربة:

نعم، إذا كان الوقوف مع من دعم لبنان والعراق، وحمى ظهرهما، ومنع سقوطهما في أحلك لحظاتهما، يعني أننا «إيرانيون» بالمعنى السياسي…فنعم، التسمية إذن.

لكنها ليست تهمة، بل وسام شرف، في زمن سقطت فيه الأقنعة، وبان فيه من كان مع الوطن، ومن كان مع الخارج… أيّاً كان اسمه.